الفتنة: هندسة العقل واستلاب الإرادة
الفتنة ليست حدثًا يُداهم الأبواب فجأة، بل فكرةٌ تتسلل إلى العقول حين يتنازل الإنسان عن حقه في السؤال، ويستعير يقينه من غيره، ويقتنع العقل بأن الطاعة العمياء فضيلة،
وبأن الشك خطيئة. وفي اللحظة التي يتنازل فيها الإنسان عن حقه في التفكير، يبدأ الشر في تنظيم نفسه بهدوء؛ فبينما يُؤجَّل الضمير، لا تُهدم الأوطان بالسقوط السريع، بل تُمحى بالاعتياد!
وأخطر الشرور ليست تلك التي تُعلن عن نفسها صراحة، بل تلك التي ترتدي ثوب الخلاص؛ فالشر حين يأتيك صارخًا تعرف كيف تواجهه، أما حين يهمس باسم الأخلاق، ويطلب منك الطاعة باسم الدين، فهنا تبدأ الكارثة؛ ليس لأن الشر صار أذكى، بل لأن المخدوع صار قابلًا لأن يراه فضيلة!
إن أخطر ما يواجه الأمم هو عقلٌ يتكيف مع الفتنة ويتخذها معيارًا، فيغدو الاعتراض عليها مثار دهشة، ومقاومتها “خروجًا عن الملة”، ويُعاد تعريفها باسم الهوية حتى يبدو من ينازعها كأنه كافر أو ملحد. وهنا لا نكون أمام انحراف فردي، بل أمام هندسة كاملة للعقل البشري؛ عملية برمجة تُبدِّل المعاني قبل أن تُبدِّل الواقع والوقائع، وتغيّر قاموس الإنسان حتى يصف القبح جمالًا، والتبعية حكمة، والتقية فقهًا، والعنف دفعًا، والكذب مشروعاً، والخراب تطهيرًا!
1- آلة الشر
هنا نفهم معنى “آلة الشر”؛ تلك الآلة التي لا تصنع القتل فقط، بل تصنع العقول القابلة لتنفيذ القتل، بل القادرة على مشاهدة مصارع البشر — نساءً وأطفالًا — بجفنٍ لا يطرف، لأن الضمير أُعيد تشكيله مسبقًا على مقاس الجماعة! فالإنسان حين يُربى على تقديس التنظيم، يتعلم أن يكره الإنسان خارج التنظيم ولو ادّعى الرحمة، ولو بكى كالتماسيح!
وفي التاريخ الإنساني، لم تكن الفتن الكبرى نتاج “شياطين أفراد”، بل ثمرة جماعات مغلقة؛ فالجماعة حين تُقدَّس، يتحول الشر داخلها إلى عمل جماعي بلا شعور بالذنب، لأن المسؤولية تتوزع حتى تتبخر، ولأن الفرد يصبح مجرد ترس ينفذ ويبرر ويصمت.
2- مهندس الوعي الشيطاني
هكذا، لا يكون مؤسس الجماعة الإرهابية مجرد رجل، بل مهندس وعي شيطاني، ومُشغِّل لأول ترس في ماكينة استمرت في العمل المخرب لعقود بعد وفاته. وبهذا المعنى، لا يمكن قراءة سيرة “مدرس الخط حسن البنا” بوصفه داعيةً، أو شيخًا إصلاحيًا، أو حتى سياسيًا مغامرًا.
فالقراءة الدقيقة تضعه في موضع أخطر مؤسس لنموذج الفتنة المنظمة، أو بتعبير أدق: شيطان الجماعة؛ لا على مقصد السباب،
بل على معنى الوظيفة السياسية–النفسية التي ترتدي عباءة دينية: شخص أتقن تحويل الفضيلة المُدعاة إلى طاعة، والطاعة إلى ولاء، والولاء إلى بناء هرمي حديدي، والبناء الهرمي إلى كيانٍ أعلى من المجتمع والدولة!
وهذا المنطق — لا الشخص — هو الشيطان الحقيقي؛ أن تُقنع إنسانًا بأن خيره لا يكتمل إلا إذا تخلّى عن إنسانيته لصالح “الجماعة”، وأن الدين لا يُصان إلا إذا احتكرته “الجماعة”، وأن الوطن لا قيمة له إن تعارض مع سيطرتها المطلقة، وهو ما سماه البنا صراحةً: التمكين!
3- الظهور من العدم
الفتنة لا تولد من العدم، ولكن يجب أن يُقدَّم مؤسس الفتنة للمجتمع المُراد تدميره بوصفه صاحب “ظهور من العدم”. وهنا يجيء الأدب شاهدًا لا ترفًا؛ ففي رواية “الحرافيش” لنجيب محفوظ يظهر “عاشور الناجي” كأن القدر أخرجه من ظلال الحارة، رجل يتكوّن في وجدان الناس قبل أن يتكوّن في الواقع، ويصعد لأنه يملأ فجوة الخوف؛ يرى فيه المقهورون خلاصًا، ويرى فيه الضعفاء درعًا، ثم تتحول صورته إلى أسطورة تُنجب “فتوات” من بعده.
وهنا يجب أن تقف المقارنة في موضعها الصحيح؛ فمدرس الخط حسن البنا لم يظهر من فراغ اجتماعي أو سياسي (لأن جبهة الشعب كانت موحدة بعد ثورة 1919 ضد الاستعمار والقصر)، ولا حتى من انهيار ديني، لكن من صمموا قصة خروجه حرصوا أن يبدو “عاشورًا” من نوع آخر: منقذًا ظهر لأن المجتمع ضائع، ولأن الإسلام على وشك الضياع، ولأن “الجماعة” وحدها هي طوق النجاة!
ويا لها من مقارنة ظالمة لـ “الناجي”؛ لأن بطل «الحرافيش» وإن كان فتوةً خرج من الظل وكان الناس عطشى للعدل، إلا أنه لم يتخفَّ وراء قداسة، ولم يُقنِع أتباعه أن القتل والتفجيرات عبادة، ولا أن السكوت على الجريمة “فقه مرحلة”.
أما مدرس الخط حسن البنا، فقد صُنِعَ على هيئة “فتوة” آخر؛ يتكلم باسم السماء، ويُخفي قبضته في قميص دعوته الملعونة.
فحين قُتل أحمد ماهر باشا داخل البرلمان، لم يقف البنا موقف من يُدين الدم، بل آثر الصمت الذي يُنقذ الرأس ويُغري القتلة بالاستمرار فقط لأن منفذ الجريمة لم يعترف بهويته الإخوانية.
وحين سالت تبرعات فلسطين في غير مصارفها، خرجت شهادات من أقرب الناس إليه — وفي مقدمتهم رفيق خطواته الأولى أحمد السكري — تقول إن المال الذي دفع باسم فلسطين لم يبلغ أهله.
وحين فاحت وقائع التستر على عبد الحكيم عابدين المتحرش بالنساء، لم تُقدَّم كرامة الضحايا على مصلحة التنظيم، بل قُدِّمت العصبية على العدالة، والجماعة على القيم. ثم كانت الذروة حين كفَّر حتى أتباعه في مقالٍ صادم — «ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين» — لا حبًّا في الحقيقة، بل هربًا من تبعات اغتيال النقراشي باشا؛ فالعقيدة هنا لم تكن ميزانًا، بل سترة نجاة، ولم يكن التكفير موقفًا، بل مناورة.
هكذا افترق الطريقان: عاشور الناجي فتوةٌ خرج من العدم وسعى لتحقيق العدل، وحسن البنا فتوةٌ خرج من العدم أيضاً، ولكنه ألبس العنف عباءة الدعوة المُهرطقة، وسرق من الأخلاق اسمها، ومن الدين مقاصده، ومن العدالة صوتها. الأول ظهر بـ “نبوته” لتحقيق العدل في الحارة لصالح الحرافيش، بينما الثاني طغى بـ “فتوى” ابتدعها بفهمه الجاهل للإسلام.
سقط عاشور حين انكشفت قبضته، بينما ظل حسن البنا يُبدِّل الأقنعة ليبقى التنظيم ولو سقطت القيم جميعها. ولعل كاتبنا العملاق عباس العقاد أراد إيصال هذه الرسائل لنا في مقاله المعنون بـ “الفتنة الإسرائيلية” الذي طرح فيه تساؤلات جادة حول حقيقة نسب حسن البنا (الساعاتي) الذي هبط على مصر من العدم؛ المقال الذي نُشر في جريدة الأساس بتاريخ 2 يناير 1949، ولم يجرؤ البنا على إنكار ما جاء فيه، ولا حتى الرد عليه!
4- أسطورة التأسيس
هذه الفكرة ليست توصيفًا للواقع، بل شرطًا نفسيًا لوجود التنظيم؛ فالجماعة لا تعيش إلا إذا أقنعت أتباعها أن خارجها هلاك، وأن الداخلين وحدهم هم “الطائفة الناجية”. والحقيقة التاريخية الصلبة أن الإسلام في مصر — في العشرينيات والثلاثينيات — لم يكن يتيمًا؛ فالأزهر كان حاضرًا، والعلماء منتشرون، والتعليم الديني قائم، والوعظ والإفتاء جزء من نسيج الحياة.
كان هناك علماء كبار قادوا الإصلاح دون سرية تنظيمية أو بيعة لمرشد، وكان هناك “جيش صامت” من علماء المساجد يرممون وعي الإنسان لا يفخخونه! ومن هنا يصبح زعم الإخوان أن الإسلام كان سيضيع لولا البنا أكبر كذبة تأسيسية؛ فهي لم تكن دعوة، بل احتكارًا، وليست إصلاحًا، بل سطوًا مخططاً على الدين!
5- التنظيم السرطاني
البنا لم يبدأ بفكرة ثم أنشأ لها جماعة، بل بدأ بجماعة ثم صاغ لها خطابًا مرنًا سائلًا؛ لا نظرية دولة، ولا فقه سياسة متماسك، بل هوس بالبناء التنظيمي.
كلمات تُكتب لتُحفَظ وتُنفَّذ لا لتُناقَش، وفهمٌ أعور للإسلام يُفرض فرضاً ويكون شرطاً للبيعة، مع إيمان لازم بأن هذا الفهم هو وحده الفهم الصحيح الكامل الشامل للإسلام! وهكذا تتحول الدعوة “البناوية” إلى سلم للترقي داخل الجماعة، لا مسارًا لإصلاح المجتمع! ومع كل درجة، ينسلخ الفرد من المجتمع ويذوب في التنظيم، حتى يغدو تعريفه لذاته مشتقًا من “الأُسر” والمراتب، لا من إنسانيته وطبيعته البشرية!
6- الطاعة العمياء
الطاعة في التنظيمات المغلقة ليست قيمة أخلاقية ولا دينية، بل أداة سيطرة مُطلقة؛ تعليق للعقل باسم السمع، وللقلب باسم الطاعة، وللضمير باسم الولاء للمرشد، وتبرير لكل وسيلة باسم الغاية.
ومن هنا تلتقي جماعة الإخوان بنيويًا مع أخطر التنظيمات السرية في التاريخ، في تشابه منهج: (تنظيم سري ← ولاء مطلق ← غموض تمويلي ← خطاب أخلاقي علني ← ممارسات سرية مناقضة).
7- اليسوعيون: صدفة أم ذات المؤامرة؟
لفهم المنهج الإخواني، يكفي استدعاء نموذج “اليسوعيين” (لا دينيًا بل تنظيميًا)؛ ففي تاريخهم تجلت فكرة الطاعة الحديدية التي تُحوّل الفرد إلى أداة، وتجعل مصلحة التنظيم فوق أي معيار أخلاقي.
فاليسوعيون في ذروة صعودهم في القرن السادس عشر على يد “إغناسيوس دي لويولا”، أسسوا طاعتهم على مبدأ صار أيقونة للانضباط الحديدي: سمعٌ بلا نقاش، وطاعةٌ تُعلَّق عندها الإرادة الفردية حتى كأن العضو أمام مسؤوله كـ “العصا في يد الراعي”.
هذا المنطق هو ذاته الذي صاغه البنا حين جعل السمع والطاعة شرط الانتماء، قائلاً في استنساخ مريب لليسوعيين: “على الأخ أن يكون جندياً مطيعاً لمسؤوله كالميت بين يدي مغسله يقلبه كيف يشاء”. الطاعة هنا ليست وسيلة للتنظيم، بل غاية لتحقيق السيطرة الكاملة؛ تُفرِّغ الفرد من ضميره ليملأه بأوامر تنظيمية.
وحين شعر بابا الكنيسة كليمنت الرابع عشر بأن اليسوعيين صاروا دولة داخل الدولة وحظر تنظيمهم بقرارٍ قاطع، لم تُغلق الحكاية؛ إذ لاحقت الواقعة روايات عن اغتيال الببا الذي تجرأ على كسر الحلقة السوداء.
لقد قال كليمنت الرابع عشر حين وقع القرار: “أعلم أني أوقع على قرار موتي”، وهو ما تحقق بالفعل بعد أيام! وهذا هو المشهد ذاته في القاهرة حين حظر النقراشي باشا جماعة الإخوان، فكان الرد اغتيالًا دنيئاً وهو الحاكم العسكري بينما كان الجيش المصري يقاتل في فلسطين؛ فأي خدمة قدمها الإخوان لإسرائيل الوليدة حينها!
8- الهالة الكاذبة
من أبشع ظلال الإخوان، ما رُوي عن مبيت حسن البنا ليلة كل شهر في المقابر. هذا الفعل المريب لا ينتمي للسنة ولا للسيرة؛ فالإسلام عرف زيارة القبور للعبرة لا المبيت فيها طقسًا دوريًا! الهدف هنا ليس العبادة، بل صناعة أسطورة “الفتوة الذي يفعل ما لا يجرؤ الناس عليه باسم الدين”.
وهنا يلتقي هذا السلوك مع مناخ التنظيمات الغامضة مثل دوائر “أليستر كراولي” المشعوذ الأشهر في أوروبا، الذي روّج لفكرة الطقوس وكسر المعنى للسيطرة النفسية. التنظيم السري يفضل الطقس لأن الطقس لا يُناقَش ولا يخضع للعقل، بخلاف العلم والبرهان.
9- شركة اقتصادية
حين عرّف البنا جماعته بأنها “سنية وصوفية وسياسية ورياضية وشركة اقتصادية”، انكشف الجوهر؛ هذه ليست شمولية بل سيولة هوية مدبرة.
وحين تصير الجماعة “شركة”، يصبح المال عمودها الفقري، ثم يُغطى بالدين ليصبح السؤال عنه تشكيكاً في العقيدة! وهكذا تُبنى ماكينة برمجة العقول: طاعة + سرية + تمويل + تجارة بالدين = تنظيم قابل للتوظيف الخارجي لهدم الأوطان!
حكاية “شيطان الجماعة” لا تُختَتم عند سيرة رجلٍ مضى قصاصاً، بل عند سؤالٍ يتكرر: متى يتحول الدين من قيمةٍ جامعة إلى أداةٍ للقهر الوجداني؟ هنا يبدأ السقوط؛ حين يُستبدَل بالعدل ولاء، وبالحق طاعة، وبالضمير تعليمات.
بين “عاشور” الذي خرج من العدم لتحقيق العدل، وبين “الساعاتي” الذي خرج من العدم ليصنع الفوضى، يتبدّى الدرس: الجماعة حين تتقدّس تفسد، والتنظيم حين يعلو على المجتمع يبتلعه بالضرورة.









