بين القلق والأمل.. الخطوات المترددة والابتسامات المطمئنة، تبدأ رحلة كل طبيب شاب فى مصر تحت مظلة «سنة التكليف».. أوسنة أولى ملائكة رحمة.. سنة لا ينسى أحد تفاصيلها، ينتقل فيها الطبيب من صفحات الكتب إلى علاج المرضى.. من مقاعد الدراسة لواجهة الحياة والموت.. «يلا شباب» تستمع إلى شهادات شباب الأطباء الذين يخوضون التجربة، ليكشفوا لنا ما وراء الأبواب المغلقة للوحدات الصحية والمستشفيات وما تحمله سنة التكليف من تحديات.. وصناعة لطبيب جديد .

شيماء كمال طبيبة أسنان : بدأ يومى الأول فى 29 أغسطس وكان تكليفى بالمنيا، قبل الانتقال الى كفر الشيخ لظروف عائلية والمكان إدارة سيدى سالم الصحية.
أعمل 3 أيام فى وحدة صحية و3 أيام فى وحدة أخرى بالتناوب وهذا من أكثر التحديات التى تواجه الطبيب الجديد.. التنقل المستمر وعدم الاستقرار مما قد يؤثر على الأداء.
وتضيف د.شيماء : تجربة التكليف تبنى الثقة بين الطبيب والناس وبالنسبة لها كانت منتدبة فى 4 وحدات تذهب كلما احتاجوها وبعد فترة استقرت فى وحدة واحدة طول الأسبوع، وكان الأمر أفضل من التنقل المستمر.
وتشير إلى أن وجود معظم الوحدات الصحية فى أماكن ريفية بعيدة والطرق سيئة والمواصلات نادرة خصوصا فى الشتاء.
وتنوه أن التعامل مع المرضى ليس بالسهل فهناك من يصر منهم على خدمة معينة.. خارج تخصصك مثلا يأتينى مريض يطلب علاجا للضغط أو للبرد أو للمعدة وأنا طبيبة أسنان ولا يتقبل الرفض أو الشرح وهناك أيضا المرضى الذين يتعاملون مع الطبيب باحترام وامتنان فى ظل أسعار الخدمات الطبية فى الوحدات الصحية حيث التذكرة بـ 5 جنيهات وكانت من قبل بجنيه واحد وكل خدمة لها رسوم وفعلا هناك من غير القادرين الذين يشكون من الرسوم ولكنها ليست فى يد الطبيب.
لكن رغم التعب.. التجربة مفيدة.. تعلمت منها مواجهة الضغوط، وأعتقد أن سنة التكليف فعلا تصنع شخصية الطبيب.
مسئولية كبيرة
إسراء مختار – طبيب بشرى – ممارس عام تعترف أنها كانت متخوفة جدًا من سنة التكليف لأنها أول مرة يكون الطبيب المسئول الأول داخل الوحدة.. وتضيف طبيعة الوحدة الصحية تجعلها أكثر صعوبة فهى مثلا تعمل فى وحدة «تطوير»، فبالتالى تقدم خدمات جديدة، سواء مبادرات رئاسية أو تحاليل الزواج، تقييمات، مواليد.. ودائما يتعرضون لجولات المتابعة والتفتيش مما يزيد الضغوط.
وتشير إلى أن فترة التكليف تبدأ بلخبطة حيث يقارن الطبيب بين ما درسه والحالات التى يتعامل معها وقد تتعرض لمواقف محرجة بسبب اعتقاد معظم المرضى أن الوحدة مستشفى شامل بكل الخدمات والأدوية بينما الوحدة لها وظيفة مختلفة وهناك بروتوكولات لا بد أن نتبعها والعلاج يأتى خطوة خطوة وهذا ليس بسبب تقصير الطبيب.
وتشير إلى أن التطور فى المستشفيات والوحدات الصحية ملحوظ ومن المهم توعية الناس للاستفادة بهذه الخدمات.. وتتذكر أصعب حالة تعاملت معها مريض تعرض لصدمة ونزيف، وكان لابد من تدخل سريع.. وهناك صيدلية بجانب الوحدة وممرض.. ورغم صعوبة التجربة لكنها مرت بسلام وترى أن هذه الضغوط تعلم الطبيب تحمل المسئولية
التغلب على الرهبة
يصف محمد إبراهيم حسان الطبيب بأحد مستشفيات الصحة بالاسكندرية أول يوم تكليف بخليط من الفوضى والرهبة.. عندما تجد نفسك فى مكان كبير ومختلف تمامًا عن الجامعة. كان تكليفه بمستشفى الصدر ببورسعيد وهو من إحدى القرى سيدى سالم كفرالشيخ والمسافة تستغرق ساعات طويلة ذهابا وإيابا وبالطبع مصاريف السفر باهظة فى مقابل أجره الزهيد الذى يكفى بالكاد الطعام والشراب واتفق مع عدد من الزملاء المغتربين واستأجروا شقة للإقامة.
وحاول التوازن بين الدراسة النظرى والعملى خاصة ان سنة الامتياز تسمح للطبيب بالاحتكاك بكل التخصصات: جراحة، أطفال، باطنة.. فيعرف تطبيق النظرى ثم يأتى التكليف ومعه يرى الحياة الواقعية ويتحمل المسئولية كاملة.
ولأنه صاحب بال طويل وقوة تحمل كان التعامل مع المرضى يعتمد على الاقناع واكتساب ثقة المريض، لافتا إلى أن التصادم مع المرضى وارد، لكن الأسلوب الهادئ و بالصبر والتفاهم والتعامل وكأن المريض فرد من الأسرة يتحمله ويلبى طلباته فى حدود الإمكان.
تحت الاختبار
ومازال أحمد عادل – طبيب ممارس عام – فى فترة تكليفه وينوى التخصص فى القلب والأوعية الدموية، يؤكد أن العمل فى الوحدة الصحية أهدأ من المستشفى متذكرا سنة الامتياز والتى كانت مليئة بالحالات الحرجة والمتنوعة ويشرح اختلاف التجربة بين المستشفى والوحدة الصحية قائلا: فى المستشفى أغلب الحالات خطيرة، خاصة فى الاستقبال والضغط كبير وسرعة القرار مهمة جدًا، لكن فى الوحدة أغلب الشغل عيادات ومتابعات، فالأجواء أكثر هدوءا.. والتحدى الأكبر فى فترة التكليف ضغط العمل.. لأن الوحدة الصحية تغطى منطقة تخدم آلاف السكان، ونستقبل فى 6 ساعات أكثر من 100 حالة. لكن الشغل نفسه ليس صعبا والحالات التى تحتاج إلى تدخل يتم تحويلها فورًا للمستشفى لأن الإمكانيات داخل الوحدات الصحيه محدودة.
ويرى أن الاستماع للمريض أول خطوة فى التشخيص السليم مع فرز الحالات: من يحتاج تدخلا أسرع، ومن حالته بسيطة وهكذا ومع الوقت تأتى الخبرة فى التعامل مع كل موقف بسرعة وثقة.
التكليف -فى رأيه- تجربة مرهقة لكنها مفيدة ووجود طبيب فى الوحدة مهم جدًا للمجتمع.. لأنه قادر على توجيه المريض إلى الاتجاه الصحيح.
حلم يتحقق
آية رفعت عبد الباعث طبيبة أشعة بأحد مستشفيات جامعة الإسكندرية: أول يوم تكليف يعنى أن حلمى يتحقق أمامي، أحمل مسئولية كل خطوة تعبت فيها حتى وصلت لهذه اللحظة. أريد أن أعمل وأثبت نفسى وأسعد والدى المتوفى الذى أشعره به معى فى كل خطوة.
أتذكر نصائحه وأولها مراعاة ضميرى وتخفيف آلام المرضى أيضا أتذكر تعب أمى ودعمها لى طوال مشوار الدراسة
لذلك أول يوم كان بداية لطريق طويل واجهتنى مواقف صعبة وكنت أخشى الفشل لكن صوت والدى يتردد داخلى وأراه فى كل مريض لذلك أتعامل معهم بإخلاص وأدقق فى التشخيص وأشعرهم بالاطمئنان.
تضيف : التكليف مهم لأى طبيب مبتدئ ويضيف له الكثير واستطاعت بالصبر والعزيمة العبور إلى بر الأمان وتنوى استكمال مشوارها التعليمى حتى الدكتوراه.
على الطريق الصحيح
تامر سعيد – طبيب ممارس عام بأحد المستشفيات المركزية بالدقهلية – التكليف يعنى الخطوة التى تضع الطبيب على الطريق الصحيح لممارسة الطب بين الناس الذين يثقون فيه ويلجأون إليه.
تعرض لبعض الصعوبات عندما شاهد مرضى بأمراض كان يقرأ عنها فى الكتب ولكنه كل مرة يلجأ الى الأكبر منه وبالطبع يستفيد قبل أن يتعود على مواجهة المشكلة بنفسه ولأنه قادم من الصعيد اعترض على بعد المكان فى أول مرة يتغرب عن أسرته لكنه اكتشف أن ذلك منحه تجربة أعمق وأقام مع زملائه المغتربين واستطاع التغلب على المشكلة وما زال مستمرا فى فترة التكليف التى تضيف له كل يوم الجديد .









