مصر درة التاج فى السياحة الثقافية، حيث تتربع على عرش هذه السياحة.. ولا لكونها وجهة سياحية عادية فحسب، بل لكونها مهد الحضارات التى شكلت وعى البشرية. فمنذ آلاف السنين، ونهر النيل يشق طريقه ليحتضن أعظم إرث تاريخى على وجه الأرض، جاعلًا من مصر متحفًا مفتوحًا يروى قصصًا لا تنتهى عن الفراعنة واليونان والرومان والقبط، والإسلام. إن السياحة الثقافية فى مصر ليست مجرد زيارة مواقع أثرية، بل هى رحلة غوص فى الزمن تستكشف الفنون، والعمارة، والتقاليد التى أثرت فى العالم بأسره.
وتعتمد قوة مصر فى هذا القطاع على مقوماتها التاريخية والحضارية التى لا يمكن مضاهاتها. ويظل الشق الفرعونى هو حجر الزاوية للسياحة الثقافية المصرية. وتتجلى عظمة هذا الإرث فى مواقع مدرجة على قائمة التراث العالمى لليونسكو مثل أهرامات الجيزة وأبو الهول التى تعد أيقونة خالدة للهندسة المعمارية القديمة وكذلك طيبة القديمة الأقصر حاليًا وتضم معبد الكرنك والبهجة فى الأقصر، وكنوز وادى الملوك والملكات، والتى تروى تفاصيل الحياة بعد الموت لدى المصريين القدماء. ثم آثار النوبة من أبوسمبل حتى فيلة وتشمل معبدى رمسيس الثانى فى أبوسمبل، التى تم إنقاذها بجهد دولى غير مسبوق، ومعبد إيزيس فى فيلة ولا يتوقف الإرث عند الحضارة المصرية القديمة، فمصر هى بوتقة تنصهر فيها الثقافات المتعاقبة،كما يتضح فى المسرح الرومانى وعمود السوارى فى الإسكندرية، وبعض المعابد جنوبًا.
والآثار القبطية التى تشهد على بدايات المسيحية، مثل الكنائس المعلقة فى القاهرة القديمة ودير سانت كاترين على سفح جبل سيناء، وهو من أقدم الأديرة العاملة فى العالم. وكذلك القاهرة التاريخية وهى مدينة فاطمية أيوبية مملوكية عثمانية، وتضم كنوز العمارة الإسلامية مثل المساجد الفخمة والأسوار والقلاع والمتاحف المتخصصة، التى تروى قصص ألف عام من التاريخ الإسلامي.
إن هذا التراكم الحضارى المتفرد هو ما يجعل السائح الثقافى ينفق مبالغ أكبر بكثير مقارنة بالسائح الترفيهي، حيث يكون دافعه الأساسى هو الاستكشاف والتعلم وتلبية الحاجة الفكرية.
وتعد السياحة الثقافية أحد الروافد الأساسية للدخل القومى المصري، إذ تساهم بنسبة كبيرة من الناتج المحلى الإجمالى وتوفير العملة الصعبة. الأهم من ذلك أن هذا النوع من السياحة يساهم بشكل فعال في
خلق فرص عمل كثيفة فى قطاعات متصلة بالحرف اليدوية، والترميم، والإرشاد السياحى المتخصص.
تعزيز الهوية الوطنية، من خلال التوعية بأهمية الآثار والحفاظ عليها، ونشر الثقافة السياحية بين المواطنين.
وتعتبر السياحة هى المحرك الأساسى للاقتصاد المحلي.
تواجه السياحة الثقافية فى مصر بعض التحديات التى تتطلب إستراتيجيات مستدامة. ويتطلب إرث مصر الضخم استثمارات ضخمة ومستمرة فى أعمال الترميم والحماية لمواجهة عوامل التعرية والتغير المناخى والتطوير العمراني.
لا يقتصر الأمر على المواقع الأثرية نفسها، بل يشمل الطرق والمنشآت الفندقية والخدمات اللوجستية المحيطة، لضمان تجربة سياحية سلسة ومريحة تتناسب مع متطلبات السائح الثقافي.
ويجب توجيه الحملات التسويقية بشكل أكبر إلى الأسواق المهتمة بالتاريخ والآثار، وتجنب حصر مصر فى صورة السياحة الشاطئية فقط، والتركيز على مفهوم دمج المنتج السياحى الثقافى والترفيهي.
وتسعى مصر فى رؤيتها التنموية إلى تحقيق نقلة نوعية فى هذا القطاع، من خلال افتتاح مشاريع ضخمة مثل المتحف المصرى الكبير، الذى يتوقع أن يكون أكبر متحف للآثار فى العالم ووجهة سياحية وثقافية رائدة.. هذا بالإضافة إلى العمل على تطبيق معايير السياحة المستدامة التى توازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على التراث الثقافى للأجيال القادمة.
إن مصر، بتاريخها الذى يمتد لآلاف السنين، ليست فقط قبلة للباحثين عن الشمس والبحر، بل هى وجهة أساسية لكل من يسعى لفهم أصول الحضارة الإنسانية.
وللحديث بقية









