ليس غريبا أن يلتف المصريون بكل أعمارهم وثقافاتهم المتنوعة حول برنامج «دولة التلاوة» خلال الأسابيع القليلة الماضية التى ظهر فيها ليحقق أكبر نسبة مشاهدة فى تاريخ البرامج فى الفضائيات المصرية والعربية.
بالتأكيد.. لا يستهدف البرناج الدعاية لمصر باعتبارها الدولة الإسلامية الرائدة فى تقديم أجيال من عباقرة قراء القرآن الكريم حول العالم، فمصر فى غنى عن هذه الدعاية، لكن البرنامج فى الصورة التى شاهدناها يعد منصة وطنية لاكتشاف جيل جديد من أصوات القرآن الكريم وإحياء مجد المدرسة المصرية العريقة.
نعم..مصر صاحبة تاريخ عريق فى تصدير قراء القرآن الى العالم ولدينا أعظم القراء فى تاريخ التلاوة..لكننا لا ينبغى أن نعيش على أمجاد الماضى فقط.. بل يجب السعى لخلق جيل جديد من قراء القرآن الكريم المتميزين لتنتشر أصواتهم فى ربوع العالم كما فعل سلفهم الصالح من القراء العظام.. لذلك يجب السعى الى توسيع نطاق البرنامج وتطويره ليشمل كل الأعمار ففى مصر كنوز من الأصوات الندية فى قراءة كتاب الله ولا ينقصها إلا الضبط العلمى للقراءة وإخراجها للناس لتستمتع بأصواتها ويتضاعف الارتباط بكتاب الله عز وجل.
> بالطبع.. لا نريد من أطفالنا وشبابنا أن يقلدوا أصوات شيوخ التلاوة المشاهير فى مصر فقط، بل نريد أن نستمتع بأصواتهم وتلاواتهم المستقلة التى تكشف عن شخصيتهم.
لا نريدهم نسخا مكررة من الشيوخ عبدالباسط والحصرى والبنا ومصطفى إسماعيل والمنشاوى والطبلاوى وغيرهم من مشاهير قراء القرآن الكريم فى مصر.. بل نريدهم نسخا جديدة وإضافة قوية لدولة التلاوة المصرية التى قدمت للعالم أصواتا مبهرة فى قراءة القرآن وجذب الجماهير على اختلاف مستوياتهم الثقافية الى الالتفاف حول إذاعة القرآن الكريم المصرية والتى تعد الإذاعة الأم لكل الإذاعات العربية.
إحياء المدرسة المصرية الأصيلة فى التلاوة والابتهال التى صنعت رموزا خالدة فى الوعى العربى والإسلامي، لا ينبغى أن ينصب على تقليد أصوات الشيوخ السابقين..بل ينبغى اكتشاف المواهب الجديدة فى تجويد وترتيل القرآن الكريم، لنؤكد للعالم أن مصر دائما ولادة، وأن عبقرية التلاوة موجودة فى كل عصر بين أبناء مصر التى عرفت طوال تاريخها باحتضان كل من يخدم كتاب الله الخالد وينشره بين الناس قراءة وتجويدا وتفسيرا وتيسير أحكامه وهداياته لكل فئات المجتمع.
لدينا طاقات إبداعية لدى الأطفال والشباب، ينبغى أن نتيح لهم الفرصة للانطلاق نحو مستقبل يليق بقدراتهم.
نتطلع الى تحويل برنامج «دولة التلاوة» الى مؤسسة وطنية تعكس الصورة الحضارية الراقية لمصر.
من هنا يجب وضع رؤية وطنية للبرنامج تهدف إلى ترسيخ الهوية الدينية الوسطية وصناعة جيل جديد يحمل راية التلاوة المصرية الأصيلة، ليؤكد للعالم أن إرث التلاوة الحقيقى موجود فى مصر مع تقديرنا لكل الأصوات المبدعة التى تنطلق من كل الدول العربية والإسلامية الشقيقة والتى نستمع إليها ونتعامل معها بكل حب وتقدير.
> مضاعفة الاهتمام بـ «دولة التلاوة» يعكس اهتمام الدولة المصرية بالمواهب فى كل المجالات، فليس صحيحا ما يردده البعض من أننا ننأى بأولادنا بعيدا عن الدين وعن كتاب الله الخاتم وهداياته التى لا تنقطع والتى نحتاج إليها جميعا فى كل مراحل أعمارنا.. لذلك نؤكد أن مضاعفة الاهتمام بالبرنامج خطوة مهمة فى وقت نحتاج فيه إلى خطاب دينى رصين يقوم على الفهم الصحيح والتسامح والاعتدال، وتسليط الضوء على تراث القراء القدامي، بالتوازى مع ظهور مواهب شابة جديدة يؤكد أن الخير باق فى أطفال مصر وشبابها الى يوم الدين.
شخصية مصر الثقافية والحضارية ترسمها ملامح كثيرة فى مقدمتها الاهتمام بالقرآن الكريم ورعاية حافظيه، والارتفاع من قدرهم بين الناس.. ولذلك سيظل اهتمام مصر قيادة وشعبا بالقرآن الكريم لتفتح أبوابا واسعة أمام المواهب وتضمن استمرار الريادة المصرية فى عالم التلاوة.
مثال على ذلك أنه كان لها قصب السبق فى إنشاء إذاعة خاصة للقرآن الكريم، قامت على هذه الحناجر الذهبية، تبث الخير والنور إلى العالم شرقًا وغربًا، وأخرجت مئات القراء الذين كُتبت أسماؤهم فى سجلّ من نور كأفضل قراء القرآن الكريم فى الدنيا.
نعم.. مصرنا العظيمة مازالت ولادة بالمواهب فى مجال التلاوة والإنشاد والابتهال على حد سواء، فمصر بلد القرآن، وشعبها شعب القرآن، والريادة المصرية فى العناية بالقرآن الكريم لا تقتصر على السبق بإنشاء إذاعة خاصة له، ولا الاهتمام بتلاوته وسماعه فقط، بل لقد اتسع اهتمام مصر بالقرآن الكريم حتى أنشأت الكليات الأزهرية أقسامًا للتفسير، بل كلية خاصة للقرآن الكريم تهتم بكل تفاصيل علوم القرآن الكريم تلاوةً وفهمًا وتفسيرًا وأحكامًا، ولم يعرف العالم الإسلامى مفسِّرًا أوصل القرآن الكريم غضًّا طريًّا إلى عقول وقلوب العالمين وأفهام المسلمين مثلما عُرف للعالم الراحل الشيخ محمد متولى الشعراوى رحمه الله تعالي، كما صدَّرت مصر علوم القرآن ومعارفه إلى بلاد العالم أجمع حتى إلى البلد الذى أنزل الله فيه القرآن».









