فى أرشيف ذاكرتى صفحات عديدة عن معارك التحرر التى خاضتها أمتنا، من الاستعمار العسكرى إلى التبعية الاقتصادية، ولكن اليوم، نشاهد وجوهاً لا تنظر إلا إلى شاشات صغيرة تتلألأ فى ظلمة الليل، يصبح السؤال: أليست هذه هى أشكال العبودية الأكثر تعقيــداً ؟ ليســت عبوديــة الجســــد فقـــط، بل عبودية العقل والروح والوقت، إنها «العبودية الطوعية» التى قبلنا بها بشغف، ظناً منا أنها بوابة الحرية.
نحن إزاء مفارقة وجودية تكاد تكون الأقسى فى تاريخ البشرية: كلما زادت وسائل الربط بيننا، ازدادت مسافات العزلة، لقد تحولنا من مجتمعات كانت تتبارك باللقاءات وجهاً لوجه، وتقدس الحوار الروحي، إلى كتل بشرية تتحرك فى فراغ، تتقابل عبر الشاشات، ولكن قلوبها وعقولها فى جزر منعزلة.
العلاقات الإنسانية ـ الآن ـ تمر بأخطر اختبار فى تاريخها، لقد تحولت من «علاقات وجودية» قائمة على المشاركة الوجدانية والتضامن العضوي، إلى «اتصالات وظيفية» مؤقتة. لم نعد نبحث عن صديق للروح، بل عن شريك مصلحة، أو زميل عمل، أو معرفة عابرة على «إنستجرام»،هذا التحول ليس بريئاً، إنه جزء من مشروع «التفكيك الاجتماعي» الذى تروج له الرأسمالية المتوحشة، التى تريد تحويل الإنسان إلى وحدة استهلاكية منعزلة، يسهل قيادها وتسويقها.
أصبحنا اليوم نتذكر ـ الماضى القريب ـ أيام كانت القاهرة «مدينة تتحدث»، والمقاهى ساحات للحوار، والبيوت واحات للضيافة، والأحياء عائلات كبيرة، لكنها وغيرها من مدننا تحولت إلى «غابات إسمنتية» تسودها ثقافة اللااتصال، الجار لا يعرف جاره، والأقارب يتبادلون «الإيموجي» بدل الزيارة، والأسر تلتقى أجساداً فى البيت، ولكن عقولها وقلوبها فى عوالم افتراضية مختلفة.
إن الإدمان الرقمى ليس مجرد عادة سيئة؛ إنه نظام اقتصادى وسياسى متكامل، نظام قائم على اقتصاد «الانتباه»، حيث أصبحت دقائق عمرنا وساعات وعينا هى السلعة الأكثر قيمة فى السوق العالمية، لقد حولونا من مواطنين إلى «مصادر بيانات»، ومن بشر إلى «ملفات تعريف» يمكن ترويضها واستغلالها.
وخطورة ذلك أشار إليها «جواهر لال نهرو» أول رئيس وزراء للهند، عندما قال: «أخطر أنواع الاستعمار هو الذى يغزو العقل قبل الأرض»، وكان يتحدث آنذاك عن الغزو الثقافي.. واليوم، ها نحن أمام غزو من نوع جديد: غزو الخوارزميات، التى تعرف ميولنا أكثر مما نعرفها، وتتحكم فى ما نراه من العالم، فتشكل وعينا من حيث لا ندري.
وفقاً لتقرير Hootsuite& We Are Social 2024، يبلغ متوسط استخدام الإنترنت للفرد فى المنطقة العربية أكثر من 7 ساعات يومياً، وهذا يعنى أن الإنسان المعاصر يقضى أكثر من ربع عمره الواعى مشدوداً إلى شاشة.
وإذا استمر ذلك، سنفتقد للمناعة الاجتماعية، ولا نقوى على مواجهة أى عاصفة وجودية، لقد خسرنا السيادة على وقتنا، وانتباهنا، وبدأنا نفقد السيادة على قراراتنافكيف نعيد اكتشاف لغتنا الإنسانية المشتركة؟
والسؤال المفصلي.. هو سؤال المقاومة: كيف نتحول من مستخدمين سلبيين إلى مستخدمين أسياد؟ كيف نستعبد التكنولوجيا لخدمتنا، بدلاً من أن نكون نحن وقوداً مجانياً لنموذجها الاقتصادي؟









