فى لحظة إقليمية شديدة الحساسية، جاء لقاء الرئيس عبدالفتاح السيسى مع المشير خليفة حفتر ليؤكد أن مصر لاتتعامل مع الملف الليبى كقضية خارجية عابرة، بل باعتباره جزءا لا يتجزأ من أمنها القومى المباشر ولم يكن الاجتماع مجرد استعراض بروتوكولى للعلاقات الثنائية، بل حمل مجموعة من الرسائل السياسية والأمنية الواضحة التى تتجاوز حدود البلدين.
الرسالة الأولى التى بعث بها اللقاء تتعلق بالثوابت المصرية تجاه ليبيا وهى وحدة الدولة الليبية، ورفض سيناريو الفوضى أو التقسيم، والتصدى الحاسم للتدخلات الأجنبية حين شدد الرئيس السيسى على ضرورة إخراج القوات الأجنبية والمرتزقة، فإنه لم يتحدث بلسان مصرى فقط، بل عبر عن توجه عربى أوسع يرى أن استمرار الوجود العسكرى الأجنبى فى ليبيا يمثل وصفة دائمة لعدم الاستقرار، ومصدر تهديد مباشر لدول الجوار.
أما الرسالة الثانية، فتتعلق بإعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة الليبية، وعلى رأسها الجيش الوطني، فالإشارة الواضحة إلى «الدور المحورى للقيادة العامة للجيش الليبي» لم تكن تفصيلا عابرا، بل تأكيد على قناعة مصرية راسخة بأن الجيوش الوطنية هى العمود الفقرى لأى دولة قادرة على تجاوز الأزمات، وأن تفكيك المؤسسات العسكرية لا ينتج ديمقراطية، بل فراغاً أمنيا تستغله التنظيمات المتطرفة، والميليشيات العابرة للحدود.
الرسالة الثالثة تمثلت فى الدفع القوى نحو المسار السياسي، خصوصا مسار الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المتزامنة، هنا أرادت القاهرة أن ترسم معادلة دقيقة وهى لا حل عسكريا صرفا، ولا تسوية سياسية من دون أرضية أمنية صلبة، فالدولة لا تبنى بصناديق اقتراع فى ظل الميليشيات، ولا بالقبضة الأمنية وحدها من دون آفق سياسى جامع.
ولا يمكن فصل اللقاء عن ملف ترسيم الحدود البحرية، الذى يعكس تحولا نوعيا فى العلاقات المصرية ـ الليبية من منطق إدارة الأزمات إلى منطق تخطيط المصالح الإستراتيجية طويلة المدى فالتوافق على التعاون «وفقا لقواعد القانون الدولي» رسالة موجهة للخارج قبل الداخل، مفادها أن القاهرة، وطرابلس تسعيان لضبط خلافاتهما عبر القانون لا عبر الصراع.
أما البعد الإقليمي، فقد تجلى بوضوح فى تناول تطورات السودان، الربط بين استقرار السودان والأمن القومى لكل من مصر وليبيا يعكس رؤية إستراتيجية شاملة تدرك أن إنهيار دولة فى الإقليم لايظل محليا، بل يتحول سريعا إلى موجات تهديد عابرة للحدود.
الرسائل التى حملها لقاء القاهرة بسيطة فى ظاهرها وعميقة فى مضمونها، مصر لا تبحث عن نفوذ فى ليبيا بقدر ما تسعى إلى استقرار دائم على حدودها الغربية، وليبيا بالنسبة للقاهرة ليست ساحة تنافس دولي، بل عمق إستراتيجى لا يحتمل المغامرة، وفى زمن تتكاثر فيه المشاريع الخارجية، بدأ اللقاء بمثابة تذكير واضح بأن استقرار الدول يبدأ من تعاون جيرانها، لا من عواصم بعيدة.









