مكالمة تليفونية غيرت نوعية الحياة على كوكب الأرض.. حدث ذلك عندما أجرى المهندس الأسكتلندى جراهام بيل أول مكالمة هاتفية فى التاريخ مع مساعده فى الغرفة المجاورة عام 1876.. وكان هذا الإنجاز الأسطورى بداية لعصر الاتصال الحديث فى العالم والذى غير من نمط الحياة على الأرض.. بعدها بخمس سنوات فقط كانت مصر من بين أوائل دول العالم التى أدخلت خدمة التليفون عام 1881، واقتصر الاتصال وقتها على القاهرة والإسكندرية قبل أن تضاف منطقة القناة بعد عامين، ثم شهد عام 1927 افتتاح الملك فؤاد لسنترال القاهرة.
ما زلت أذكر ـــ بوضوح وحنين ـــ تليفون الطفولة فى منزلنا بحلوان؛ ذلك الجهاز بلا قرص أو أزرار. نرفع السماعة فنسمع صوت «طنط عايدة» عاملة السنترال تحيينا بالاسم، فنطلب منها «17 من فضلك»، فترد فى بساطة «مافيش حد النهارده عند الحاج سيد.. كلهم سافروا البلد». كان السنترال آنذاك محليا محدودا، وعدد المشتركين قليلا. وحتى عام 1957 لم تكن خدمة التليفون متاحة فى الريف إلا لمنزل العمدة فقط.. من أجل التواصل الإدارى والأمني، لذلك لا تزال عبارة «ألو.. يا عمدة» ترن فى الذاكرة. أما عدد خطوط التليفون فى مصر كلها فكان 62 ألف خط فقط عام 1952 وأصبح 13,43 مليون مشترك فى أبريل 2025.
أنشأت الحكومة المصرية عام 1918 «مصلحة التليفونات والتلغراف» لتتولى الإشراف على الخدمة بدلًا من «الشركة الشرقية للاتصالات» الأجنبية. ثم تأسست «هيئة الاتصالات السلكية واللاسلكية» عام 1957، وبعدها «الهيئة القومية للاتصالات» عام 1980، أتذكر فى تلك الفترة الصعوبة البالغة فى الحصول على خط تليفون منزلى أو تجاري، وانتعاش السوق السوداء، وسوء خدمة الدليل التى كان خطها مشغولا دائما وردودها قصيرة وجافة وغير مفيدة. ولذلك كان لابد من إدارة أكثر مرونة وانفتاحا، فجاءت «الشركة المصرية للاتصالات» التى تولت الخدمة حتى اليوم. وقد شهدت الخدمة فى عهدها تطورا كبيرا وأصبح الأداء تقنيا ومهنيا على مستوى عالٍ، وحققت الشركة أرباحا معتبرة فى البورصة، لتضيف دليلا آخر على أن النظم الإدارية والرقابة المالية والتوجه العام فى الدوائر الحكومية ليست هى الأمثل لتقديم الخدمات أو إدارة المشاريع الاقتصادية والاستثمارية.. ليس فى مصر فقط ولكن على مستوى العالم بأكمله.
ونشعر اليوم بأن خدمة التليفون الأرضى تعيش خريف عمرها. فقد غطى عليها سطوع التليفون المحمول والذى لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل مركز لإدارة الحياة اليومية. وأصبح «التليفون أبو سلك» رمزا للقديم، ومن يستعمله يوصف بأنه دقة قديمة أو بخيل أو لا يزال متأخرا عن الركب.
ولا يخفى أن بعض العاملين على السنترالات الأرضية فى المصالح الحكومية عندنا هم أول من فقدوا الحماس فى استخدام التليفون الأرضي.. لا يردوا.. وإذا ردوا كان على مضض.. وبأسلوب غير مجد.. وأصبح من الصعب الاتصال بأى هيئة أو كيان.. رغم أنه فى كثير من الأحيان يكون التليفون الأرضى هو الوسيلة الوحيدة أمام المواطن لإنجاز مصلحة ما أو معرفة كيفية إنجازها. كما يمتد العتاب لخدمة الدليل الأرضى 140 والتى كثيرا ما تقدم معلومات غير محدثة أو غير دقيقة، فكثيرا ما يكون ردهم: «هذا المشترك غير مسجل لدينا».. أو يتم إعطاء رقم قديم أو خارج الخدمة.. وللأسف هذا يتكرر كثيرا.. لكن يُحسب لهم أن الرد دائما مهذب ومحترم، وهذا أمر يستحق التقدير.. ولكن لابد من إيجاد آلية فاعلة لتحديث البيانات والتأكد من صحتها.
وربما يكون السؤال الآن: هل انتهى عصر التليفون الأرضي؟ الحقيقة أن نهايته ليست حتمية كما يظن البعض، فالكثير من دول العالم مازالت تستخدمه كركيزة أساسية للبنية التحتية للاتصالات، وكحل أكثر استقرارا فى المؤسسات والمقار الحكومية والشركات الكبري، خصوصا فى أوقات الطوارئ أو انقطاع الشبكات المحمولة أو الكهرباء. ربما يتراجع الاستخدام الفردى للتليفون «أبو سلك»، لكنه قد يجد حياة جديدة داخل المنظومة الرقمية الحديثة؛ لا كخصم للتليفون المحمول، بل كجزء مكمل له. فالعبرة ليست بالسلك أو عدمه، بل بقدرة الخدمة على مواكبة احتياجات المواطن.. وهذا ما نأمل أن تستمر مصر فى تطويره خلال السنوات القادمة.









