منذ شهور كتبتُ مقالا عن ظاهرة مصرية أصيلة: تشكيل اللجان النوعية كلما وقع حادث أو تفاقمت أزمة أو صدرت ملاحظة رفيعة المستوي. وقلت يومها إن الغالبية لم تعد تنظر إلى «الموضوع» بقدر ما تستغرق فى «الصورة» وما تحمله من بروباجندا مُرهِقة وقبيحة، صنعت ما أسميه بلا تردد تريند اللقطة الملعونة.
واليوم، ونحن على أعتاب موسم درامى جديد، أعود لأسأل السؤال نفسه: ماذا فعلت اللجان التى خرجت علينا من كل حدب وصوب بعد ملاحظات السيد الرئيس على دراما العام الماضي؟
لقد أغرقتنا تلك اللجان فى وعودٍ براقة عن إنتاج مختلف وراقٍ ومغاير. وها نحن أمام واقع يبدو – وأرجو أن أكون مخطئاً – أبعد ما يكون عن تلك الوعود. وما السبب؟
السبب ببساطة أننا لا نزال نركض وراء الصورة، ونمارس «الضحك على الدقون» بسياسة «تلبيس الطواقي»، دون أن يقترب أحدٌ من جوهر العمل المؤسسى الحقيقي.
ولكى لا يتسلل الإحباط إلى نفسي، عدت أسترجع ما كتبته سابقاً حول هذه الظاهرة: هل تغيّر شيء؟ هل تحرك أحد؟ هل اهتم أحد بما قرأ؟ وهل قرأ أصلاً؟
يقولون: إذا أردت لموضوع أن يموت ببطء، فشكّل له لجنة للدراسة والمتابعة.
ولا أعرف لماذا ينتابنى يأس عجيب عندما أسمع عبارة: «تشكيل لجنة فوراً». لأن من يشكِّل اللجنة فى العادة لا يتحرك من تلقاء نفسه، بل بدافع كارثة وقعت، أو أزمة انفجرت، أو توجيه جاءه من جهة أعلي. أى أنّ اللجان تُولد من رحم الكوارث لا من روح المبادرة.
ولسنواتٍ طويلة عشنا على وقع لجان: لجان مخرات السيول بعد غرق درنكة وبعض قرى الصعيد، ولجان الغش بعد فضائح الغش الجماعي، ولجان مواجهة الإدمان بعد جرائم قتل أسرية أصبحت شبه ظاهرة، ولجان الهجرة غير الشرعية بعد غرق المراكب، ولجان مكافحة الإرهاب، ولجان التسول، ولجان الفقر، ولجان الأمية التى ما زالت تراوح مكانها رغم أن ربع الشعب يعانى الأمية. ثم جاءت أخيراً لجان الدراما والإعلام والقوة الناعمة.
وما إن تشكلت حتى انطلقت صور أعضاء اللجان كما لو كانوا نجوم مهرجان سينمائي. تصريحات، لقاءات، ابتسامات لا علاقة لها بالأزمات التى يفترض أنهم اجتمعوا لعلاجها. وسرعان ما قدّم كل منهم «رؤيته» لإنقاذ المشهد الفنى والإعلامى وكأنهم جميعاً يحملون نسخاً حديثة من سفينة نوح.
الغريب أن هذه اللجان المتناثرة لا يجمعها إطار فكرى أو رؤيوى واحد، بل هى استجابة محمومة لملاحظات الرئيس ليس إلا. وهذا « رغم وجاهته من حيث الشكل « يفضح خللاً فى الجوهر: إذ كان يُفترض أن تتحرك المؤسسات من تلقاء نفسها، وأن تُقيم أداءها دون انتظار إشارة عليا. لكن ما حدث يجعلنى قلقاً على فكرة العمل المؤسسى ذاته، الذى تهشّم تحت ضغط نظريات اللقطة التى تُفسد كل شيء.
ولنا أن نتساءل ببراءة:
ماذا لو لم يتحدث الرئيس عن القوة الناعمة والدراما والإعلام؟
هل كنا سنسمع عن هذه اللجان أصلاً؟
هل كنا سنقرأ تصريحات لخبراء ظهروا فجأة بوصفهم حَمَلة مفاتيح الخلاص؟
لماذا لا يتحرك الناس بدافع من مسئولياتهم؟
لماذا نحب الضجيج والصور أكثر مما نحب العمل الصامت الجاد؟
لقد هالنى عدد اللجان التى تشكلت، لكن ما استفزنى حقاً هو الكم غير المسبوق من الصور والتصريحات. وكأن الهدف لم يعد مواجهة الأزمة، بل المشاركة فى اللقطة.
وحتى عندما تنتهى اللجان، تخرج بإستراتيجيات منمقة لا جديد فيها. نسخ قديمة فى قنانٍ جديدة. ثم ندعو إلى مؤتمر لمناقشة المخرجات، فيخرج المؤتمر بتوصيات جديدة، فتُشكل لجنة جديدة لدراسة توصيات المؤتمر.. وهكذا ندور فى الدائرة الخبيثة ذاتها، ويموت الزمن بينما تتكاثر الأوراق.
وحين يفتح أبناؤنا تلك الملفات بعد سنوات، سيتساءلون: لماذا لم تُنفذ هذه التوصيات البراقة فى زمن آبائنا؟ الجواب ببساطة أننا كنا أسرى الصورة لا الفعل.
من وجهة نظري، تشكيل لجنة لأى ظاهرة يعنى اعترافاً ضمنياً بوجود قصور ما. لذلك فإن من يرد الإصلاح الحقيقى فعليه أن يتجرد أولاً، وأن يعمل بعيداً عن الضوضاء. ومن هنا جاءت رؤيتى التى أكررها اليوم:
كل اللجان الجادة يجب أن تكون سرية وغير معلنة، ولا تُنشر أسماء أعضائها، ولا يُسمح لهم بالتصريحات، ولا بالظهور كأبطال فى بطاقات التعارف.
عندها ستختفى ظاهرة «عبده مشتاق»، ويعزف المتهافتون على المناصب عن المشاركة، لأن اللجنة «ببساطة» بلا لقطة. وسيفتح ذلك الباب للخبراء الحقيقيين الذين لا يجيدون إلا العمل فى صمت بعيداً عن غوغائية الصورة.
ربما حينها فقط نسلك طريقاً مختلفاً، ونصل إلى نتائج مغايرة نتمنى جميعاً أن تتحقق.
ملحوظة أخيرة:
أرجو ألا تُشكَّل لجنة لدراسة ظاهرة «اللجان الملعونة».









