تابعت مؤخرًا برنامج دولة التلاوة الذى أبدعته الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بالتعاون مع وزارة الأوقاف، وقد أبرز الحلقات الأربع التي تم إذاعتها أن مدرسة التلاوة المصرية صرح عظيم شارك في تشييده سلسلة من عباقرة المقرئين، وعلى امتداد أجيال متعاقبة.
ولعل المفتاح الذي يميّزها عن غيرها من مدارس التلاوة، أنها مدرسة قائمة على المحبة لكتاب الله تعالى، فأهل مصر يعشقون كتاب الله تعالى تلاوة وسماعا، واستعير من مولانا الشيخ محمد متولي الشعراوي تقسيمه مدرسة التلاوة المصرية بقوله: من أراد الإتقان، فليستمع إلى الشيخ الحصري، ومن أراد نقاء الصوت، فليستمع إلى الشيخ عبد الباسط، ومن أراد الخشوع يستمع للمنشاوي، ومن أراد فن التلاوة يستمع للشيخ مصطفى إسماعيل، ومن أراد كل هذا يستمع للشيخ محمد رفعت.
ومما تتفرّد به مصر ويجعل منها “عاصمة التلاوة”، ويجعل قرّاءها الأكثر نفوذاً وتأثيراً وشهرة، هو البصمة الخاصة في فن الأداء، وهذا ما لفت نظر الباحثة الأمريكية كريستينا نيلسون في كتابها “فن تلاوة القرآن”، حين خصصت فصلاً كاملاً لظاهرة محبة المصريين تلاوة القرآن الكريم بأصوات عذبة شجية، وكان مما أوردته في حياة المصريين قائلة إنها: “تجاوزت إطار الخلفية السمعية لتصبح جزءاً من صميم الإخلاص الديني وقطعة من روح الممارسات الثقافية والاجتماعية“.
وأن مصر أول دولة قامت بإذاعة القرآن الكريم مسموعاً عبر إذاعة القرآن الكريم عام 1964، وكان الشيخ محمود الحصري أول من سجّل القرآن مرتّلاً بالكامل، وكان ظهور إذاعة القرآن الكريم سبباً في شهرة أصحاب الأصوات الممتازة والكفاءات العالية، حتى أن الشيخ عبد الباسط عبد الصمد عندما وصل إلى مطار حلب عام 1956، كانت الجماهير الغفيرة في استقباله، وخرجت سيارته من المطار في موكب كبير ضم أكثر من مائة سيارة.
وحسب وصف جريدة صوت العرب السورية فإن هذا اليوم تحول إلى عيد، واكتظ الجامع الأموي الكبير بآلاف الرجال والنساء في مشهد لم يحدث منذ عهد الأمير سيف الدولة الحمداني (915 ــ 967م) للاستماع إلى الشيخ عبد الباسط وهو يتلو القرآن الكريم، وهذا المشهد تكرر مع الشيخ مصطفى إسماعيل والشيخ محمود خليل الحصري وغيرهم كثير ممن تربعوا على عرش دولة التلاوة التي تمثل رأس حربة قوة مصر الناعمة على مدى عقود طويلة، تستقبلهم الجماهير في دول العالم المختلفة استقبال الفاتحين، ويمنحهم الزعماء الأوسمة والنياشين.
وباتت دولة التلاوة جزءا من الهوية المصرية، واليوم تعيد إلينا المتحدة تلك الرموز المصرية من الأطفال والشباب في ومشهد رائع يؤكد للعالم أجمع أن دولة التلاوة المصرية قوية ومتينة وباقية.








