تدخل مصر اليوم منعطفًا مهمًا في مسار صناعة الإعلام والترفيه، مع الإعلان الرسمي عن إنشاء مدينة إعلام عالمية سيتم تشغيلها خلال ثلاث سنوات، المشروع يتجاوز فكرة «مدينة إعلامية» تقليدية، ليتحول إلى مركز ضخم يقع في نطاق منطقة الأهرامات، على غرار أبرز المدن الأمريكية والهندية المتخصصة في الإنتاج السينمائي الضخم، بما يجعل مصر مقصدًا عالميًا لتصوير الأفلام وإنتاج المحتوى الواسع.
المشروع الجديد لا يقتصر على استوديوهات حديثة، بل يتضمن رؤية متكاملة تهدف إلى جذب شركات الإنتاج الكبرى عبر استوديوهات تصوير وإنتاج عالية التجهيز، منصات بث رقمي متطورة، ومراكز تدريب وتأهيل للكوادر، بنية سياحية وفندقية متصلة بالموقع، خدمات لوجستية مخصصة لفرق الإنتاج العالمية.
هذا التكامل يعيد تشكيل الصناعة من جذورها، ويضع مصر على خريطة الإنتاج الضخم بقوة طالما غابت عنها رغم امتلاكها المقومات الطبيعية والبشرية.
العديد من الدول أدركت مبكرًا أهمية هذه الصناعة، ومن بينها المغرب التي حققت أكثر من نصف مليار دولار خلال سنوات قليلة من تصوير الأعمال الأجنبية على أراضيها.
وعلى الجانب الآخر، يحقق اقتصاد الترفيه في الولايات المتحدة نتائج هائلة؛ إذ يعمل به أكثر من 822 ألف شخص، ويحقق صادرات بنحو 14.5 مليار دولار سنويًا، تقوده شركات عملاقة مثل «ديزني» التي تتجاوز قيمتها السوقية 212 مليار دولار.
هذه الأمثلة تكشف ببساطة حجم الفرص التي أهملتها المنطقة لفترة طويلة، وحجم العوائد التي يمكن لمصر تحقيقها إذا تحركت برؤية واضحة.
اختيار منطقة الأهرامات موقعًا للمشروع ليس تفصيلاً عابرًا. فالمدينة الإعلامية الجديدة ستكون مكملًا استراتيجيًا لـ المتحف المصري الكبير، بما يخلق دائرة جذب سياحي وإبداعي في منطقة واحدة، ويحوّلها إلى مركز عالمي يجمع بين التاريخ والصناعة والإبداع الحديث.
سيجد صنّاع السينما تجربة فريدة لا تتوفر في أي موقع آخر: «لوكيشن عالمي – منشآت إنتاج عالية المستوى – تراث ممتد لآلاف السنين في الخلفية».
ولأن مستقبل الصناعة لا يتوقف عند السينما والدراما، يصبح من الضروري استكمال المشهد بإنشاء مدينة للصناعات الترفيهية الرقمية في العاصمة الإدارية، تشمل:
- صناعة الألعاب
- المحتوى الرقمي
- القصص والروايات المصورة
- منصات البث الاحترافي
- استوديوهات الرسوم المتحركة
- حاضنات للمبدعين والشركات الناشئة
فالعالم يتحرك بقوة نحو اقتصاد جديد يقوده الإبداع والمعرفة، ومصر لا يمكن أن تبقى خارجه.
التحركات الأخيرة تعكس إدراكًا متزايدًا بأن صناعة الإعلام والترفيه ليست رفاهية، بل قطاع اقتصادي حقيقي قادر على خلق وظائف، وجذب استثمارات، وتحسين صورة الدولة خارجيًا، وتعزيز القوة الناعمة.
إن مشروع مدينة الإعلام العالمية يمثل بداية وليست نهاية. خطوة أولى في طريق طويل، لكنه طريق تمضي فيه مصر بثبات، نحو اقتصاد حديث يضع الإبداع والصناعة والمعرفة في قلب التنمية.









