اليوم، تنتهى المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب، وتبقى الإعادة للمرحلتين الأولى والثانية، لينتهى الماراثون الذى شهد أحداثا غير مسبوقة، وتطورات على المشهد لم يكن يتم الالتفات إليها من قبل، وتصويب الأخطاء، وإقرار أنه لا يصح إلا الصحيح.
لكن ما حدث فى المرحلة الأولي، اتخذ منحنى بعيدا، فانصب على ادعاء التزوير، وتجاهل أن المخالفات معظمها عن الدعاية وتصرفات بعض مناصرى ووكلاء المرشحين، أو أخطاء إجرائية.
وبداية، لا أظن أن أى انتخابات فى أى دولة على كوكب الأرض تخلو من مخالفات وتجاوزات بشكل أو بآخر، حتى فى معاقل الديمقراطيات العتيقة، ومنها ما يصل إلى حد الجرائم، وما محاكمة الرئيس الفرنسى السابق نيكولا ساركوزى منا ببعيد، فقد حُكم عليه فى 21 أكتوبر الماضى بالسجن خمس سنوات، لإدانته بتلقى ملايين اليوروات، لتمويل حملته الانتخابية فى 2007.
ومن أمثلة ذلك ربما آلاف الحالات فى عمليات انتخابية بالعالم، وهذا ليس تبريرا لها ولا رضا عنها ولا دفاعا عمن ارتكبوها، بل على كل من يقترف مخالفة أن يتحمل تبعاتها وعقوبتها.
وقد تم تداول أقاويل فى مواقع التواصل الاجتماعى وجلسات المقاهي، عن دفع مرشحى القائمة ما بين 75 و100 مليون جنيه من كل منهم، حتى ادعى أحد الذين لا يعلمون أن مرشحا دفع 200 مليون جنيــه لأنه لا يجيــد القراءة والكتابة، وهذا كــلام غير معقول ولا يقبله المنطق ويخالف الشروط، وعموما لا أحب أن أخوض فيما لا أعرف ولا ما ليس عندى به دليل، ولا نشهد إلا بما نعلم، وعلى الذين يرددون ذلك أن يثبتوا صحة أقوالهم، أو يكفوا عن ترديدها.
وعلى أى حال فإن المال السياسى معروف فى العالم كله، وله شروط، منها ما يتم إنفاقه على الدعاية والحملات الانتخابية وما يتم تلقيه من مساهمات أو تقديمه من تبرع لحزبه، لكن إذا خرج عن شروطه فيدخل فى دائرة الممنوع، ولذلك جهات مختصة تراقبه وتحاسب عليه، ولا يترك الأمر لحديث المقاهى والافتراءات.
وقد جاءت توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسى، لتقطع الشك باليقين، بتعزيز الشفافية والتشديد على منع أى تدخلات، فكانت مثل البلسم الشافي، ورسالة طمأنة تثبّت الضمانات وترسخ ثقة الناخبين والنزاهة، وتضع الجهات أمام مسئولياتها لضمان المساواة والحياد الكامل، وأن الدولة لن تسمح بأى محاولات للتلاعب.
ثم كانت قرارات وتحركات الهيئة الوطنية للانتخابات – الجهة المختصة بفحص الوقائع والطعون- لتضع نهاية لحالة الجدل، بناء على تقارير حول الأحداث فى بعض الدوائر، لإعادة الانضباط للعملية الانتخابية، بعد تقييم دقيق، بعيدا عن الشائعات والمهاترات، وكانت رسالة الهيئة واضحة، لا أحد فوق القانون، ولا نائب سيدخل البرلمان إلا بإرادة الناخبين.
فالهدف أن تأتى الصناديق بنواب معبرين عن اختيارات الشعب، وتشكيل برلمان يعكس التنوع، ويعمل على خدمة مصالح الناس، وترسيخ مؤسسات تستند إلى الديمقراطية وسيادة القانون.
ولا بد أن نعترف، ولا عيب فى الاعتراف، أن لدينا معضلة فى انتخاب مجلس النواب الذى يقوم على النظام المختلط – 284 مقعداً للنظام الفردى و284 مقعداً بنظام القوائم – واستشعر عدم رضا عن هذا النظام، لعدة أسباب، منها أننا لدينا عدد كبير جدا من الأحزاب بلا طعم أو لون، ولا وجود لها فى الشارع ولا تأثير، معظمها تأسس فى وقت «هوجة» كانت مثل الموضة، ومن ثم لا تستطيع ان تنافس بالقوائم، وفى الكثير من الدول الكبرى لا نجد إلا حزبين أو يزيد قليلا، يختار الناخب أحدها بناء على برامجها وأنتمائه الحزبي، لذا لا نريد أن نجد قائمة تفوز قبل إجراء الانتخابات.
ونظامنا الانتخابى قد لا يكون مناسبا الآن، وتقسيم الدوائر بهذا الاتساع لا يتيح التمثيل العادل، وقد يجعل الإقبال على التصويت محدودا ويقلل من المشاركة لأن الناخب يرى أن صوته بلا قيمة ولا تأثير.
الموقف يتطلب معالجة وإصلاحا، وهذا يحتاج إلى تعديل دستوري، فلا مانع من ذلك، ولنراجع أوضاعنا ونصحح ما يحتاج إلى تصحيح، ونحن نخطو نحو الجمهورية الجديدة.









