فى كل موسم انتخابى تعود الظواهر نفسها: تجاوزات فى الإنفاق، دعاية غير منضبطة، تعبئة غير قانونية، واعتقاد راسخ لدى بعض المرشحين بأن القواعد وُضعت للآخرين فقط. ورغم أن الهيئة الوطنية للانتخابات قطعت شوطًا كبيرًا فى تنظيم العملية وتأمينها، ما زال هناك من يدور حول النصوص ويحاول «تجاوزها بخفة». فما الأسباب؟ ولماذا تُكرر المخالفات؟ وما الذى يجعل بعض المرشحين يرون القانون مجرد «اقتراح» لا أكثر؟
المقال يقدم خمس فرضيات واقعية – لكنها لا تخلو من لمسة ساخرة – تكشف جانبًا من المشكلة، وتطرح حلولاً قابلة للتطبيق.
أولاً: هناك مرشحون يتعاملون مع القانون كما يتعامل البعض مع اللافتات الإرشادية فى الشوارع: موجودة.. نعم، لكن الالتزام بها اختيارٌ شخصى. هؤلاء يعرفون النصوص جيدًا، لكنهم يقرأونها بنفس طريقة قراءة قائمة الطعام: نظرة سريعة ثم قرار منفرد.. هذه الفئة لا تعتبر المخالفة جريمة، بل «مرونة سياسية».
الحل: «إعلان المخالفات بشفافية للرأى العام.. تفعيل العقوبات دون انتظار نهاية العملية الانتخابية..ربط الالتزام باعتماد القائمة النهائية، وليس فقط بمنح الرموز.
ثانيًا: ليس كل مخالِف متعمدًا. هناك من يدخل الانتخابات وهو لا يملك الحد الأدنى من المعرفة القانونية.. فى هذه الحالة، يصبح التعدى على السقف المالى أو الدعاية فى منشآت حكومية «خطأً ناتجًا عن الجهل وليس النية».. وبطبيــعة الحال.. الجهــل لا يعفى من المسئولية.
الحل: إخضاع جميع المرشحين لدورة قانونية إلزامية قبل بدء الحملة.. تسليم كل مرشح «دليل التزام انتخابى مبسط»… نشر فيديوهات توضيحية رسمية للضبطيات والممنوعات.
ثالثًا: فى بعض الدوائر، يتعرض المرشح لضغط من أنصاره:
«المنافس صرف.. وانت فين؟»
«الناس عايزة حركة على الأرض».. وهكذا تتحول المخالفة إلى وسيلة دفاع، لا إلى مخالفة متعمدة.. وتترسخ الفكرة الخاطئة: نجاح المرشح مرتبط بحجم الإنفاق، لا بحجم الثقة.
الحل: حملات توعية مباشرة تربط بين شراء الأصوات وضعف الأداء البرلمانى لاحقًا.. رفع مستوى الرقابة على الإنفاق الفعلى وليس المعلن فقط.. إبراز نماذج مرشحين نجحوا بتواصل حقيقى وليس بإنفاق مادى.
رابعًا: بعض المخالفين يتصرفون بجرأة لأنهم لا يرون حالات علنية لاستبعاد المخالفين. فيغيب الردع، ويظهر «منطق المجازفة».. المرشح هنا يسأل نفسه: ما دام هناك من تجــاوز ولم يُعاقب.. لماذا أكون أنا الاستثناء؟
الحل: الإعلان الفورى عن أى استبعاد أو إحالة.. نشر سجل المخالفات فى بيانات رسمية..تفعيل نظام نقاط إنذار للمرشحين، تُخصم من أهليتهم عند تجاوز حد معين.
خامسًا: هناك مرشحون يحفظون حقوقهم الانتخابية جيدًا، ويطالبون بها بقوة، لكنهم يتناسون واجباتهم بنفس القوة.
فى ذهن البعض، القانون يُؤخذ منه ما يفيد.. ويُترك ما يضايق. وهذا الخلط يفتح الباب لمخالفات تراكمية تجعل العملية الانتخابية مرهقة.
الحل: وضع «ميثاق شرف انتخابى» يوقع عليه كل مرشح.. نشر ملخص التزام كل مرشح للناخبين..اعتبار الالتزام القانونى جزءًا من تقييم المرشح العام.
فى النهاية، يبقى الدور الحاسم للهيئة الوطنية للانتخابات التى تمتلك كامل صلاحيات الضبط والرقابة والإنفاذ.. ويقينا سوف تستخدم هذه الصلاحيات بصرامة وشفافية فالهيئة هى الضمان الحقيقى لنزاهة العملية الانتخابية، ولمنع أى تجاوز يحاول الالتفاف على القانون، ولترسيخ رسالة واضــحة: الانتخــابات تُدار بالقواعــد.. لا بالرغبات.. وكلنا ثقة فى الهيئة الوطنية للانتخابات.









