قهوة الصباح
أقول دوما إن من وعى التاريخ فى صدره فقد أضاف أعمارًا إلى عمره، وليس هذا من باب البلاغة فحسب، بل من باب الحقيقة والواقع، فالتاريخ، حين نقرأه بوعي، يطلّ علينا لا كوقائع جامدة، بل كحركة نابضة تكشف لنا كيف تنشأ الدول وكيف تتهاوي، وكيف يمكن لسلطة أن تبلغ ذروتها ثم تسقط فى لحظة واحدة بسبب خلل ينمو فى داخلها قبل أن يأتيها من خارجها، ولعل من أبلغ الأمثلة على ذلك نكبة البرامكة فى العصر العباسى ومذبحة القلعة فى مصر زمن محمد على باشا، وهما واقعتان تبدوان من بعيد مختلفتين فى الشكل لكن جوهرهما واحد تقريبا
>>>
كانت مذبحة القلعة بالنسبة لمحمد على لحظة مفصلية لا يقل ما فيها من توتر عمّا كان فى قصور الخلفاء زمن نكبة البرامكة. فالرجل، وهو يجلس فى ديوان الحكم، كان يدرك أنّ مشروعه كله معلّق على نجاح تلك الليلة. لم يكن ينظر إلى الأمر بوصفه انتقامًا، رغم ما كان يحمله من ضغائن قديمة، بل بوصفه ضرورة سياسية يفرضها واقع لا يسمح بمنافسة قوّة تمتلك المال والسلاح والولاء الاجتماعي. لقد كانت مصر قبل تلك الليلة مسرحًا لصراع مرير بين المماليك والسلطة الجديدة، ومع كل خطوة كان محمد على يشعر بأن مشروعه لتحديث الدولة يختنق فى ظلّ وجود قوة عسكرية ورمزية تحتفظ بحق »الفيتو« على كل إصلاح. لذلك، حين صدر القرار، لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل توقيع على ولادة الدولة المصرية الحديثة.
>>>
ولو تأمّلنا فى لحظات التنفيذ كما تصفها المصادر، نقلًا عن الشهود، لوجدنا فيها قدرًا كبيرًا من القلق، فالرجل كان يعرف أن الفشل يعنى نهايته وقتل أسرته، وربما غرق مصر فى فوضى طويلة. لكن النجاح منح الدولة فرصة تاريخية نادرة للخروج من دوّامة القوى المتصارعة إلى طريق الإصلاح والتحديث. وهنا يبرز سؤال طالما طرحه المؤرخون: ماذا لو لم تقع المذبحة؟ الأغلب أن مصر كانت ستبقى حبيسة لصراع داخلى طويل، وربما لم يظهر الجيش النظامي، ولا المدارس الحديثة، ولا البنية الإدارية التى صارت أساسًا لمصر المعاصرة. لقد كانت تلك اللحظة، بكل ما حملته من دم، تأسيسًا لمرحلة جديدة.
>>>
هذا المعنى ذاته نجده فى نكبة البرامكة، وإنْ اختلفت التفاصيل. فالبرامكة لم يكونوا قوّة عسكرية، بل قوة إدارية وسياسية ومالية تمددت فى قلب الدولة العباسية حتى باتت تشبه دولة داخل الدولة. وقد بدأت أسرة البرامكة مسيرتها من أرض فارس، تحمل معها تقاليد راسخة فى الإدارة والتنظيم، واستطاعت عبر جيلين فقط أن تصبح العمود الفقرى للخلافة العباسية. فكان يحيى بن خالد وزيرًا موثوقًا، وجعفر شخصية تكاد توازى الخليفة نفوذًا، والفضل صاحب القرار فى تربية ولى العهد والأمراء. ومع الوقت، صار الناس يقصدون قصورهم قبل أن يقصدوا قصر الخلافة، وشاع فى بغداد أنّ البرامكة هم الدولة، وأن الخليفة مجرّد رأس شكلى لها.
>>>
وهنا بدأت أزمة الرشيد. فهو لم يكن يكرَه البرامكة، بل كان يدرك قيمتهم، لكنّه بدأ يشعر أنّ قوّتهم تضخّمت حتى صارت تهدّد رمزية الخلافة ذاتها. ثم جاءت علاقاتهم الواسعة بالعلماء والشعراء، وبالعلويين خاصة، لتزيد شكوكه. لم يكن هناك تمرّد معلن ولا رغبة صريحة فى السيطرة على الحكم، لكن الدولة التى تعتمد على رجال أكثر من اعتمادها على مؤسسات تصبح هشّة بطبيعتها. ومع تصاعد هذا الشعور، جاءت الضربة فجائية عام 187هـ، فاعتُقل يحيى والفضل، وقُتل جعفر، وصودرت الأموال، وانقلبت بغداد رأسًا على عقب فى ليلة واحدة.
>>>
لكن المفارقة أنّ الرشيد، الذى ظنّ أنه بحركته هذه سيعيد التوازن للدولة، وجد نفسه أمام فراغ إدارى كبير. فقد اكتشف أن نفوذ البرامكة تغلغل فى كل مفرداتها، وأن غيابهم أحدث اضطرابًا لا يمكن تجاوزه بسهولة. وهكذا دفع العباسيون ثمنًا غاليًا للضربة التى ظنوا أنها ستقوّى الخلافة، فإذا بها تكشف هشاشتها. لقد صعد البرامكة بفضل كفاءتهم، لكنهم سقطوا بسبب نفوذهم المتضخم، وبين الصعود والهبوط كان درس الدولة واضحًا: الخطر الداخلى أخطر من أى عدو خارجي.
>>>
إن الربط بين مذبحة القلعة ونكبة البرامكة ليس جمعًا لوقائع متباعدة، بل قراءة فى واحدة من أكبر مشكلات الحكم عبر التاريخ: كيف تتعامل الدولة مع قوة داخلية تتضخم وتتمدد على حساب السلطة الشرعية وربما خصما من رصيدها؟ وفى الحالتين، كانت الإجابة واحدة: إذا لم تقم الدولة بعملية »جراحية« قاسية، فسوف تنهار ببطء من الداخل. ورغم أن الدماء التى سالت فى الحادثتين تشكّل مأساة إنسانية لا يمكن تبريرها أخلاقيًا، فإنها من منظور السياسة كانت تصحيحًا لمسار الدولة، وإزالة لعقبة كانت تمنعها من الاستمرار أو الانتقال إلى مرحلة جديدة.
>>>
إن قراءة التاريخ بهذه الطريقة تكشف لنا أن الدولة ليست مجرد مؤسسات، بل توازنات دقيقة بين السلطة والنفوذ والكفاءة. وحين تختل هذه التوازنات، يهدد الخطر الداخلى وجودها أكثر مما يفعل أى غزو. وهكذا تقف نكبة البرامكة ومذبحة القلعة مثالين صارخين على كيف يمكن للدولة أن تتعثر، وكيف يمكن للحاكم أن يجد نفسه مضطرًا لاتخاذ قرار يبدو ظالمًا لكنه من وجهة نظر السياسة ضرورة لبقاء الدولة نفسها









