هل هى قصة «تيريزا» البرازيلية بطلة فيلم الافتتاح التى تمردت على قرار ذهابها للحياة فى مستعمرة أقامتها الحكومة ليعيش فيها المسنون الذين تجاوزوا السبعين عاماً فى «المسار الأزرق»؟ أم هى «ماريا» الأسبانية التى ولدت وعاشت فى طنجة بالمغرب وتفاجأت بأن ابنتها تزورها وتطالبها بالمجيء معها إلى مدريد لأنها سوف تبيع الشقة التى قضت فيها عمرها فى «زنقة مالقة»؟ أم هى قصة «عزة» السعودية التى حرمت من التعليم ولكنها أصبحت معلمة قيادة للسيارات لتعول أبناءها الأربعة فى «عزة»؟ أم هى «إيلونا» الليتوانية التى تشعر بأن حياتها تتشقق فى اليوم الذى أكملت فيه الثلاثين وقدم لها حبيبها خاتم الزواج فى «ترميم»؟ أربعة أفلام من بين ثمانين فيلماً قدمها مهرجان القاهرة السينمائى لجمهوره الكبير فى دورته رقم 46 والتى تنتهى غداً بحفل توزيع الجوائز ووداع دورة حافلة بالجديد من الأفلام المهمة والمختلفة، أفلام قدمت عبر مسابقات رائعة مثل المسابقة الدولية، وهى الأهم فى أى مهرجان، وأعمالها تعرض للمرة الأولى وهى هنا 14 فيلماً بينها فيلمان عن فلسطين وما يحدث فيها الآن هما «كان يا مكان فى غزة» إخراج الأخوين عرب وطرزان ناصر وفيلم «ضايل عنا عرض» لمخرج فلسطينى هو أحمد الدنف ومخرجة مصرية هى مى سعد، فيلم عن مقاومة القتل الجماعى فى غزة بإعادة زرع الأمل من خلال فرقة جوالة تقود بألعاب مختلفة، وأيضاً قدمت أفلام القسم الرسمى خارج المسابقة لنا كجمهور 14 فيلماً مهما عرضت فى مهرجانات كبرى هذا العام ومنها أفلام «صوت هند رجب» الذى أثار العالم عند عرضه فى مهرجان كان لتقديمه وحشية الاحتلال الإسرائيلى تجاه طفلة فلسطينية، وفيلم «فرانز» عن الكاتب والمفكر الكبير فرانز كافكا وحياته وفيلم «إعادة بناء» عن معنى الانتماء المجتمعى وكيف ينمو، أما المجموعة الثالثة من أفلام المهرجان «آفاق السينما العربية» فهى لأفلام تعرض لأول مرة ولها مسابقة وهى تسعة أفلام عربية قوية من بينها فيلمان مصريان هما «الشكوى رقم 713317» أول افلام المخرج ياسر الشفيعى الطويلة عن قصة حقيقية حدثت لزوجين من كبار السن، والفيلم الثانى هو «بنات الباشا» للمخرج محمد العدل عن حادثة موت عاملة تفجر علاقات كل زميلاتها ببعضهن، وأيضاً عرض هذا البرنامج فيلمان من السعودية هما «عزة» ،و»ضد السينما»، وفيلمان من تونس «كأن لم تكن»، و»الجولة 13» وفيلما من العراق والمغرب، ولأن المهرجان قبلة لصناع السينما فى العالم فقد استطاع أن يجتذب أفلام شديدة الأهمية قدمها من خلال مجموعات مختلفة منها أفلام «العروض الخاصة» التى جمعت 21 فيلماً حصلت على جوائز فى مهرجانات أخري،مثل «شوبان، سوناتا فى باريس» و»الحياة بعد سهام» و»أمهات صغيرات»، وبرنامج «البانوراما الدولية» الذى تضمن أيضاً عروض لثمانية عشر فيلماً مهماً، بينما قدم برنامج «عروض منتصف الليل» خمسة أفلام فقط، وأيضاً قدمت المسابقة الثالثة للمهرجان «مسابقة أسبوع النقاد الدولية» ثمانية أفلام مهمة وملهمة فيما يخص العلاقات الإنسانية بين الناس فى بلدهم مثل الفيلم اللبنانى «دو يو لاف مي» للمخرجة لنا ضاهر الذى أعاد سرد تاريخ لبنان على مدى سبعين عاماً بكل ما فيه من متناقضات وفيلم «حبيبى حسين» للمخرج أليكس بكرى عن القصة المؤلمة لهدم سينما چنين بفلسطين بعد جهد جبار لسنوات طويلة بذله أحد المختصين بتشغيل جهاز العرض وحتى تم البناء ثم الهدم، و»أشقاء» الإيطالى للمخرجة جريتا سكارانو عن فتاة مستقرة تضطر للعودة لمدينتها الأولى لترعى شقيقها الكبير بعد وفاة والديها، ولنراه وهو المصاب بالتوحد يصمم على فعل أشياء خارقة أما فيلم «أوديسا البهجة» فيقدم قصة صبى فقد والده فى الحرب وطرد من بيته ليعيش مع بقية العائلة فى شقة صغيرة ويبحث عن الخلاص من حياته إلى أن يجد الحل فى الانضمام لفرقة أراجوزات فرنسية تقدم عروضاً للأطفال بعد الحرب أما مسابقة الأفلام القصيرة فقد ضمت ثلاثين فيلماً لمخرجين ومخرجات من كل العالم تفاعل معهم جمهور هذه الأفلام كثيراً وبينها أفلام مصرية مثل فيلم بعنوان «اللى ما يتسماش»، إخراج أبانوب نبيل، وفيلم «آخر المعجزات» للمخرج عبدالوهاب شوقى.
واعترافات الكبار
أى جمهور هذا الذى حضر فعاليات المهرجان بقاعات الأوبرا؟
الإجابة هى أنه جمهور محب للسينما، وكثيرون منهم عشاقها، وقد اعترف بهذا كثيراً الفنان الكبير حسين فهمى رئيس المهرجان، بينما قال مدير المهرجان الفنى محمد طارق فى حوار له إن الرهان الأكبر هو على الجمهور «لدينا جمهور يتجاوز الأربعين ألف مشاهد» وأظن أن العدد أكبر من هذا، والزحام الشديد على عروض الأفلام فى قاعات دار الأوبرا، وعلى الحوارات التى تجرى مع صناع الأفلام، والندوات حول السينما ومستجداتها ومع المكرمين الكبار الذين اختارهم المهرجان هذا العام كالمخرج الكبير أستاذ الفيلم الكوميدى «محمد عبدالعزيز»، ومدير التصوير الكبير «محمود عبدالسميع»، والممثل الكبير «خالد النبوي»، ومن فنانى العالم الممثلة الفلسطينية الكبيرة «هيام عباس» والمخرجة المجرية القديرة «الديكو إينيدي» والمخرج التركى الكبير «نورى بيلج سيلان» يؤكد أن الرهان على الجمهور المصرى رهان مهم وحقيقى ويجب اعتباره مؤشراً حقيقياً لأى مهرجان أو مناسبة عامة، ومن هنا جاءت إضافات المهرجان لبرامج أخرى مثل «بانوراما مصرية» الذى قدم ستة أفلام قصيرة لمخرجين ومخرجات مصريين من الجيل الجديد، وبرنامج «كلاسيكيات القاهرة» الذى ضم 13 فيلماً لكبار مخرجى العالم من بينهم فيلمان ليوسف شاهين وأسامة فوزى.
مسألة مبدأ، و100 سنة سينما
أما البرنامج الأخير فى المهرجان فهو «الكلاسيكيات المصرية المرممة» الذى عرض من خلاله 19 فيلماً مهماً تم ترميمها من بينها أفلام الزوجة الثانية والسراب والحرام والناس والنيل وغروب وشروق والمستحيل وقنديل أم هاشم وقصر الشوق وبين القصرين وغيرها، والحقيقة أن هذا الجهد لترميم هذه الأفلام الذى سعى إليه المهرجان وشاركت فيه جهات عديدة هو عمل كبير يستحق مناسبة تقام وحدها، فهذه الأفلام أصبحت جزءاً من تاريخنا مثلها مثل الآثار، وليست هى فقط وإنما الفن التشكيلى والمسرح والغناء والموسيقى وكل الفنون المصرية الرائعة، ولعل من أبرز ما عشته طوال المهرجان وعاشه ألوف غيرى من كل الأعمار فى دار الأوبرا وهو تلك الموسيقى الرائعة والبديعة للموسيقار الكبير عمر خيرت، الذى سمعنا موسيقاه طوال أيام المهرجان، من مقطوعة «مسألة مبدأ» إلى المقطوعة التى خلد بها السينما المصرية بعد استفتاء 1996 الشهير، حين أبدع موسيقى «100 سنة سينما»، الله معه فى محنته الصحية الآن وكل الصحة والسلامة له.









