لم تكن الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين مجرّد خلاف حول الرسوم الجمركية أو فائض الميزان التجاري، بل كانت وما زالت انعكاساً لصراعٍ أعمق على من يملك مفاتيح المستقبل.
فبعد هدنة قصيرة ظنّ البعض أنها بشائر انفراج، عادت المعارك الاقتصادية لتتقد من جديد، حاملةً فى طيّاتها رسائل سياسية واستراتيجية لا تقلّ خطراً عن أصوات المدافع.
ومن يتابع التصعيد الراهن يدرك أن المسألة لم تعد محصورة فى أرقام الصادرات أو نسب النمو، بل تحوّلت إلى مواجهة رمزية بين نموذجين. فواشنطن ترى فى بكين خصماً يريد إعادة رسم خرائط النفوذ العالمي، وبكين تنظر إلى سياسات واشنطن كجدارٍ يحاصر صعودها ويكبح طموحها فى قيادة التكنولوجيا والتجارة الدولية.
وطبعا كل طرف يقرأ العالم بعينه الخاصة، فتتحول لغة الاقتصاد إلى ميدانٍ جديد للهيمنة، وساحات التفاوض إلى حلبات لاسيما أن ما يفاقم سوء التفاهم بين القوتين هو غياب الثقة المزمن، فكل إيماءة من الطرف الآخر تُفسّر ككمينٍ محتمل، وكل مبادرة تعاون تُقابل بالريبة.
معروف ان الولايات المتحدة تخشى أن تغدو الصين عملاقاً يصعب احتواؤه، والصين ترى فى الخطاب الأمريكى محاولة دائمة لتأبيد تفوقٍ غربى آفل فيما العالم بدوره يدفع الثمن، فاضطراب الأسواق لا يعرف الحدود، وسلاسل الإمداد تتفكك كخيوط العنكبوت تحت هبوب العواصف.
أما الدول النامية، فتجد نفسها بين سندان الدولار ومطرقة اليوان، تبحث عن توازنٍ مستحيل فى عالمٍ تمزقه الحسابات الكبري.
أقول فى الختام إنّ عودة الحرب التجارية إلى ذروتها ليست إلا إنذاراً بأننا أمام صراعٍ طويل يلبس ثوب الاقتصاد، لكنه يخفى روح السياسة فحين تتحدث الدول العظمى بلغة الرسوم والعقوبات، فإنها فى الحقيقة تفاوض على شكل النظام العالمى المقبل وما لم تدرك واشنطن وبكين أن التنافس بلا أرضية تفاهم هو طريق يقود الجميع إلى الخسارة، فإن المستقبل سيشهد ليس فقط حرباً تجارية، بل حرباً على فكرة الاستقرار ذاتها.









