فوضى عارمة يشهدها الإقليم البائس الذى نعيش فيه.. ومصر كعادتها هى رمانة الميزان القادرة على إدارة الملفات بحرفية ومهارة وهدوء ونزاهة ، حيث يشهد الشرق الأوسط ومنذ سنوات حالة غير مسبوقة من الاضطراب جعلت كثيرًا من دوله أقرب إلى مسرح صراع مفتوح تتحرك فيه قوى إقليمية ودولية، وتعيد تشكيل خرائط النفوذ وحدود الدولة الوطنية. وفى هذا المشهد المضطرب الذى التهم دولًا بكاملها وأضعف أخري، ظهرت مصر كحالة مختلفة، حالة تقود دورًا إقليميًا متماسكًا يقوم على الاستقلال الإستراتيجى وإدارة الفوضى لا الانجراف إليها، وتحجيم تداعياتها بدلاً من تركها تتمدد، ومنع ابتلاعها للدول بدلاً من التحول إلى جزء من دوامتها.
منذ اللحظة التى بدأت فيها المنطقة تنزلق إلى الفوضي، كانت القاهرة تدرك أن ما يجرى ليس مجرد اضطراب عابر، بل إعادة هندسة كاملة للإقليم ومحاولة لإسقاط ركائز الدولة الوطنية عبر صراعات داخلية وتدخلات خارجية. لذلك اتخذت مصر لنفسها موقعًا ثابتًا يقوم على قراءة واعية لطبيعة الصراع، وعلى قناعة بأن حماية الإقليم من التفكك هى فى جوهرها حماية للأمن القومى العربى كله.
وعلى الحدود الغربية، كانت ليبيا تمثل اختبارًا قاسيًا لدور القاهرة الإقليمي. فالفوضى هناك ليست مجرد أزمة دولة جارة، بل تهديد مباشر قادر على خلق فراغ أمنى طويل المدي. ولم تقع مصر فى فخ التدخل العبثى أو الانحياز غير المحسوب، بل اختارت طريقًا أكثر تعقيدًا وأكثر حكمة، جعلها تتعامل مع الملف بمنطق إدارتها هى كدولة للأزمة وليس العكس حيث كان من الممكن أن تجد القاهرة نفسها فى مهب ريح تلك الأزمات ، فدعمت المسار السياسى الليبي- الليبي، واستضافت حوارات متعاقبة بين الأطراف، وأعلن الرئيس السيسى ما يمكن ان نسميه القاعدة الجديدة لقواعد الاشتباك الإقليمى عندما وضع خط سرت- الجفرة، وهو الخط الذى أوقف تمدد الميليشيات، وهزّ حسابات القوى الداعمة لها، وفرض واقعًا جديدًا جعل من القاهرة لاعبًا لا يمكن تجاوزه فى أى تفاهم حول مستقبل ليبيا.
وفى الشرق، واجهت مصر واحدًا من أعقد الملفات وأكثرها حساسية، وهو ملف غزة. ورغم أن الصراع هناك يرتبط بعشرات الحسابات المتشابكة، فإن القاهرة حافظت على دورها كوسيط لايمكن الاستغناء عنه، وتدخلت فى أصعب اللحظات لتثبيت التهدئة ومنع انفجار الأوضاع نحو سيناريوهات أكثر اتساعًا. لم تكن تحركاتها مجرد وساطة سياسية، بل كانت إدارة كاملة لفوضى قادرة على أن تشتعل فى دقيقة واحدة، وأن تتحول إلى تهديد إقليمى ممتد إذا لم يكن هناك طرف يمتلك الوزن والثقة والقدرة على التأثير.
وعلى الحدود الجنوبية، كانت الأزمة السودانية مثالاً آخر على قدرة مصر على تحييد الفوضى دون الانغماس فيها. فبينما تسارعت وتيرة الحرب والانهيار، اختارت القاهرة الحفاظ على خطوط اتصال مع طرفى النزاع، ودعمت جهود التهدئة، ورفضت الانحياز الذى قد يزيد النار اشتعالًا، وتمسكت بمبدأ الحفاظ على الدولة السودانية وعدم السماح بسقوطها فى سيناريو التفكك الكامل. فوجود دولة منهارة جنوب مصر ليس تهديدًا حدوديًا فحسب، بل تهديد لأفريقيا كلها.
ومع كل هذا المشهد المعقد، ووسط تنافس المحاور الدولية، حافظت مصر على استقلال قرارها الخارجي. فلم تنحز إلى محور ضد آخر، ولم تسمح لأحد بأن يستخدم أرضها أو موقفها لصالح حساباته. حافظت على علاقات متوازنة مع القوى العالمية الكبري، ووسّعت شراكاتها مع الدول العربية المؤثرة، وتعاملت مع كل أزمة من منطلق ثابت: القرار المصرى يُصنع فى القاهرة، وفق مصلحة مصر والإقليم، وليس وفق ضغوط أحد.
هذا الدور المصرى الذى استطاع إدارة الفوضى فى محيط مشتعل، وتحييدها فى دول على حافة الانهيار، ومنع ابتلاعها لدول أخري، رسّخ حقيقة أن مصر ليست مجرد دولة تتفاعل مع الأحداث، بل دولة تصوغ توازناتها الإقليمية. وإن كان الزمن العربى قد شهد تراجع أدوار متعددة، فإن الدور المصرى بقى ثابتًا، لأنه قائم على رؤية واضحة: لا سقوط للدولة الوطنية، لا تمدد للفوضى بلا حدود، ولامكان لسياسات الهدم التى حولت بعض الدول إلى كيانات ممزقة.
هكذا نجحت القاهرة فى أن تكون صمام أمان فى منطقة تتغير خرائطها يوميًا، ونجحت فى أن تبقى خارج دائرة الفوضي، بينما تدير محيطها بقدر من الحكمة يجعلها طرفًا لا غنى عنه. وفى زمن الفوضى الطويلة، كانت مصر واحدة من الدول القليلة التى أدركت أن الإدارة الذكية للصراع أهم بكثير من الانخراط فيه، وأن تحييد النار أهم من المنافسة داخلها، وأن الدور الإقليمى الحقيقى يثبت نفسه عندما تتساقط الدول ولا يبقى إلا من يملك القدرة على حماية نفسه ومن حوله.









