فى الصحف والمجلات القديمة، كانت بداية الكوميكس أو فن القصص المصورة برسومات بسيطة وشخصيات من واقع حياتنا.. وعلى مدى السنوات تطور ليصبح وسيلة تعبير فنية تواكب العصر وتعيش فى الوجدان.
مر مائة عام من عمر الكوميكس بطابعه المصرى ويشهد حاليا انتعاشاً جديداً، ويقدم نفسه كفن شبابى يرسمه الشباب ويقرأه الشباب.. هؤلاء الذين تربوا على قنوات الكرتون ومجلات الأطفال.. طوروا الفن ووسعوا قاعدته.. تابعوا الكوميكس العالمية وقدموا القضايا المحلية وأصبح لهم فعاليات سنوية يلتقى فيها عشاق الفن من رسامين وقراء من أشهرها كايرو كوميكس الذى ختم فعالياته قبل أيام محتفلاً بمرور 10 سنوات على تأسيسه ليكون ملتقى للمواهب ومنصة للفنانين المستقلين.
الصديقة هاجر حسام الدين زارت المهرجان الشبابى والتقت عشاق الكوميكس.. رسماً وشغفاً.
أوشا.. المانجا على الطريقة المصرية
من الفنانين نلتقى رشا أبوالمعاطي، درست أداب إنجليزى ثم التحقت بالفنون الجميلة قسم جرافيك لتحقيق حلم طفولتها.. تعشق الرسوم المتحركة اليابانية منذ الصغر، أرادت أن تصبح رسامة قصص مصورة بأسلوب المانغا اليابانى لكن على الطريقة المصرية، بدايتها الحقيقية 2017 بسلسلة «الغرباء» رواية خيال علمى ولها تجربة أخرى «سيلفى الصاروخ» قصة فانتازية تناقش بها أسطورة إيزيس و أوزوريس بطرح كوميدى لقضايا معاصرة مثل عدم الانتماء وتقدم أيضا «نساء لكل العصور» تمزج بين الخيال والواقع وتناقش به مشكلات تعانى منها النساء مثل التنمر والتفرقة فى المعاملة داخل الأسرة، الحرمان من حق التعلم، والتحرش، بأسلوب مبتكر ورسومات تبعد قارئها عن الملل رغم جدية الموضوعات.
تؤكد رشا أن المانجا المصرية تستطيع منافسة نظيرتها اليابانية والتفوق عليها أيضا بمعالجة موضوعات اجتماعية وتحب أن يجد قارئها التسلية والترفيه وأيضا رسالة أو قيمة إيجابية.
تنوه إلى المقارنة مع الرسام الياباني، بينما الرسام المصرى يتعلم ذاتياً ويعمل وحده من الفكرة حتى الطباعة، لكن باليابان توجد أكاديميات لتعليم الفن والقصة يقدمها فريق كامل، لذلك تحلم بالمزيد من الاهتمام بالكوميكس والمانجا لأنها صناعة وثقافة وتتمنى إنشاء مؤسسة مصرية لتدريب الفنانين وتشجيعهم على المشاركة بالمسابقات الدولية والتعاون مع دور النشر.
«عبدالخالق».. قارب الفن يبحر
محمد عبدالخالق، مؤسس لمبادرات للقصص المصوّرة، تعرّف على هذا الفن وهو فى العاشرة من عمره، ورسم قصصاً بسيطة ومع الإنترنت، توسّع بحثه فى القصص المصوّرة لتكون قاربه الذى عبَر به إلى عالم الفن.
أسّس مبادرة Illusion Comics التى أخرجت عدة مشاريع على الإنترنت، وكان بعضها متأثراً بالمانجا اليابانية ثم نشر لاحقاً «أمون» روايات مصوّرة، تناول فيها الأساطير المصرية القديمة من رؤية معاصرة ومن عام 2023 حتى الآن، يعمل على ضاك مان Duck Man، حول رجل عادى يجد نفسه فى عالم مليء بالخوارق وتدفعه الظروف لأن يصبح بطلاً ويرى أن جمهوره جيل الثمانينيات والتسعينيات وجدوا فيه ذكرياتهم، إلى جانب جيل «زد» الذى جذبه فضوله للتعرف على حياة هذا الجيل وتجربته.
يستلهم عبدالخالق أفكاره من الشارع وتأثر بأفلام رأفت الميهي، محمد خان، وخيرى بشارة، كما شارك فى بعض الأعمال الجماعية، منها إصدار «التسعين» عن مصر فى التسعينيات، خاصة الإسكندرية، وضم ثلاث قصص.
يُفضّل العمل على القصص الطويلة، يرى نفسه ببساطة «رسام يحب الرسم لجمهور يحب القراءة»، ينوه إلى أن أبرز الصعوبات التى تواجه رسامى الكوميكس قلة الدعم المؤسسي، رغم وجود دور نشر ومهرجانات بدأت تحرّك المياه الراكدة وتمنح الأمل بتحوّله إلى وظيفة حقيقية.
يرى عبدالخالق أنه خلال مئة عام من الكوميكس، انتقلنا من المجلات المصورة القادمة من الخارج إلى المطبوعات المحلية مثل علاء الدين وبلبل، كما لعبت قنوات الكرتون مثل «سبيستون» دوراً فى اهتمام الأجيال وتحققت الصحوة الكبيرة مع انتشار الروايات المصوّرة وظهور رسامين بارزين ومجلات مستقلة.
مها تدعم المرأة
مها مصطفى رسامة قصص مصوّرة، شاركت العام الماضى فى كتاب جماعى «مكرونة وبانيه» لـ 12 رسامة بالتعاون مع ورشة كتابة «سين» وهذا العام «القادرة» من 12 قصة مختلفة تتناول قضايا المرأة بطريقة ساخرة، كل رسامة اختارت قصة وقضية وتوضح أن مكرونة وبانية اسم قريب من كل بيت، أكلة مشهورة تعكس روح الحياة اليومية، مثل قصصهن المصورة ويتكوّن فريق العمل من النساء فقط، لتناقش القضايا من منظور أنثوي، لكن الفريق يخطط ليشمل التعاون فنانين رجالاً من أجل تنويع الأفكار.
تحتاج القصص المصوّرة الطويلة وقتاً وجهداً كبيراً، لذلك تفضل القصص القصيرة أو ما يُعرف بـ «ألوان شوت»، لأنها تمتلك بداية ونهاية واضحتين، ويسهل على القرّاء متابعتها.
رسالتها دائما أن تكون القصص مواكبة للحياة اليومية وقادرة على إفادة الجميع.
تعتمد العامية لتكون أقرب للقراء و جمهورها من الكبار، كما تكتب وترسم للأطفال.
أكبر العقبات التى تواجهها هى تكلفة النشر الذاتي، لأنها تقوم بالرسم والكتابة والطباعة بشكل فردى وتطمح إلى تبنّى دار نشر لأعمالها، خصوصًا مكرونة وبانيه، والمشاركة به فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، ليصل إلى جمهور أوسع.
تنصح الشباب بنشر قصصهم المصوّرة عبر مواقع التواصل الاجتماعى كوسيلة للانتشار، مؤكدة أن هذه القصص تتمسك بروح الشباب رغم بلوغها المائة عام، وتحظى بالإقبال والاهتمام وحرية الإبداع.
شقة «فاطمة الزهراء» مسكونة بالإبداع
فاطمة الزهراء أشرف، خريجة التربية الفنية، ترسم بأسلوب المانغا اليابانية، وشاركت العام الماضى بالعدد الأول من «شقة مسكونة» بمزيج بين الرعب والرومانسية والكوميديا، وتشارك هذا العام بالعدد الثانى عن فتاة تحاول الموازنة بين منزلها وعملها والبحث عن سكن نخاص، و»ملحمة الأساطير» وتستلهم الأحداث من الأساطير العربية والمصرية فى قالب أكشن.
تأثرت منذ طفولتها بقناة «سبيستون»، وهى أيضا مصممة رسومات رقمية ومصممة شخصيات، فى استوديو سرداب، تستمد فاطمة أفكارها من الحياة والتحديات التى تواجهها كفتاة.
تحرص أن تكون أعمالها بالفصحى السهلة، معظم جمهورها من الشباب، خاصة أن المانجا الموجهة لهم نادرة مقارنة بالمخصصة للأطفال أو المراهقين.
تشير إلى عدة تحديات فى النشر واستقطاب المتابعين، بسبب قلة الفعاليات الداعمة لصُنّاع القصص المصورة، وتتولى كل مراحل العمل بمفردها، الرسم، الكتابة، التصميم، والطباعة، وهو مجهود ضخم لا يدركه كثير من القراء.. وتوجّه فاطمة نصيحتها للشباب: ارسموا وانشروا، ولا تخجلوا من مستواكم مهما كان بسيطاً.. المهم أن تستمتعوا بالرسم، والتحسن قادم قادم.
يوسف.. رحلة إلى الخيال
يوسف السيد زيدان، من الإسكندرية، بدأ دراسة الكوميكس عام 2017، لديه أفكار وموضوعات متنوعة، تمنح القارئ فرصة للانفصال عن الواقع مؤقتا، من فى رحلة بين الخيال والمتعة.
يفضل عالم الفانتازيا، ويستلهم أفكاره من «ألف ليلة وليلة» والألعاب الإلكترونية والسينما، يكتب من وعن الشارع وأيضا للأطفال.
أسس فريق «آرت راش»، الذى يضم مجموعة من الرسامين والكتّاب ويصدر مجلة «كشرى كوميكس» التى تحتوى فى كل عدد على من 6-8 قصص بالفصحي، ويعتبرها من الإصدارات العائلية التى تطرح حلول بسيطة للمشكلات المجتمعية ويركز الفريق على القصص الطويلة، إذ يمتد مثلا «زومبى بالمصري» إلى 100 صفحة.
يشير إلى تميز التفاعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويلفت إلى التحديات وعلى رأسها ضيق مواعيد التسليم ومشكلات جودة الطباعة وارتفاع تكاليفها.
يرى أن الكوميكس يجذب جمهوراً واسعاً، مع عودة الاهتمام بالمطبوعات الورقية التى تحتفظ بمكانتها رغم انتشار القراءة الرقمية.. ويؤكد دور الرسامين فى جذب القراء من خلال تحسين جودة الرسومات وتقديم قصص ممتعة وسهلة القراءة.









