الأسبوع الماضى قادنى القدر للذهاب إلى أحد الاحياء التى تكتظ بكثافة سكانية كبيرة.. للتوجه لعيادة طبيب.. ولكن حدث ما لم أكن أتوقعه أو أتخيله.. فعند دخولنا للعيادة التى تقع فى الدور الرابع وجدت باب «البلكونة» مفتوحا.. ويبدو ان الممرض فى العيادة يفعل ذلك لتغيير الهواء داخل العيادة.. خاصة أنها عيادة طبيب أمراض صدرية.. ومعظم زوارها من مرضى البرد أو المتحور الجديد لفيروس الكورونا.
ما أن تجلس فى العيادة حتى تجد نفسك محاطا بكل أنواع التلوث السمعى.. فكل ما يتحرك فى الشارع من سيارات ملاكى.. أو سيارات أجرة.. أو «تكاتك» لكثرتها.. وسيارات نصف نقل.. وميكروباصات.. وحتى الموتوسيكلات والفيسبا.. كلها تطلق العنان لآلات التنبيه «الكلاكس» دون توقف.. ودون كلل أو ملل.. ولا اعتبار إلى ان هناك بشراً يقطنون منازل هذه المنطقة.. وأنهم ربما عادوا إلى منازلهم متعبين وينشدون الراحة والهدوء.. أو أن هناك مرضى يحتاجون الراحة.. أو طلابا ينشدون الهدوء للمذاكرة.. وأضف إلى ذلك أنه تصادف أن هناك محلاً جديداً يفتح أبوابه.. وكأنه لن يفتتح إلا بالسماعات التى تزعج الشارع بأكمله من خلال الأصوات المزعجة للاغانى المختلفة الصادرة من هذه السماعات بأعلى صوت ممكن.
أمضيت أكثر من ساعة فى انتظار الدور للدخول للطبيب.. ساعة جعلتنى أتخيل ماذا كان سيكون وضـعى ورد فعلى لو كنت أقطن ذلك الحى أو هذا الشارع.. هل كنت سأتمتع بنفس سلبية أهالى الشارع الذين يتعرضون لكل أنواع التلوث السمعى وأسكت؟.. هل كنت سأدخل فى العديد من المعارك خاصة مع أصحاب ذلك المحل الذين لم يراعوا حق الجيرة التى أوصانا عليها رسولنا الكريم؟.. هل كنت سأتوجه ببلاغ إلى شرطة النجدة؟.. هل كنت سألجأ إلى رئيس الحــى؟.. ولكننى على يقين أننى لم أكـن لأســكت أو استسلم لكل هذا الازعاج.. وفى ظل هذا المشهد أخذنى تفكيرى إلى أبعد من اللحظات التى عشتها فى عيادة الطبيب لأكثر من ساعة.. ووجدتنى أتساءل كيف وصلنا إلى هذا الحد من الانحدار فى السلوكيات التى أصبحنا نراها فى الشارع المصرى.. وأتساءل من هو المسئول عن ماوصلنا إليه من سلوكيات سلبية وخاطئة؟.. ولم أصل إلى إجابة!!.. ولكن أعتقد أنه إهمال سنوات طويلة.. إهمال من الاحياء التى فرطت فى حقنا فى الحياة الطبيعية.. نعم فرطت منذ اليوم الأول التى تركت فيه الأرصفة إما لأصحاب المحلات أو المقاهى ليفترشوها ويستولوا عليها.. ويعتاد المارة على السير فى نهر الطريق دون اكتراث لما يمكن أن يتعرضوا له.. نعم إنها الاحياء التى تركت الشوارع وليس الأرصفة لأصحاب المطاعم والمقاهى.. وليس فى أحياء بعينها.. ولكن فى كل الأحياء.. فنجد هذا يحدث فى مصر الجديدة.. فبعد أن تم توسعة شوارع مصر الجديدة تجد الباعة الجائلين يحتلون أرصفة شارع إبراهيم اللقانى ولا يتركوا مكاناً على الرصيف للمارة الذين يريدون أن يشاهدوا المعروضات داخل فاترينات المحلات.. أو يتركون مكاناً لانتظار السيارات أول صف.. وهو ما يخلق حالة من الزحام فى نهر الطريق.. كذلك الحال فى شارع النزهة فى مصر الجديدة التى قامت الدولة بتوسعته لتقوم المطاعم والمحلات باحتلال الأرصفة وحارة أو اتنين من الطريق معظم أوقات اليوم نهاراً وليلاً.. خاصة فى المنطقة من سانت فاطيمة إلى ميدان تريموف.. بل هناك مطاعم تنصب المقاعد والترابيزات باحتلالها حارتين من الشارع.. ليعود الشارع إلى زحامه.. ويضيع مجهود الدولة فى توسعة الطريق.. وكل هذا وأكثر يحدث تحت بصر وسمع المسئولين.
إن هذا كما يحدث فى مصر الجديدة وهو من الاحياء الراقية فإنه يحدث فى الحرفيين أيضاً.. حيث احتلت المحلات الأرصفة والجزء الأكبر من الطريق.. وتمنع المحلات انتظار السيارات أمامها.. لتقف السيارات فى الحارة الثانية وتعوق حركة السير تماماً فى الشارع الذى يكتظ بالمشاة ومختلف أنواع المركبات.. وعندما وقع حريق منذ شهرين رأينا كيف تعذر وصول سيارات الإطفاء أو سيارات الإسعاف.
إن هذه النماذج نجدها فى كل المحافظات وعلينا العمل على وضع آلية تعيد الانضباط إلى الشارع المصرى..
إننى لم أتوجه إلى منطقة العتبة بعد تطويرها وأتمنى أن أجد التزاما بعمليات التطوير وأن يحترم الباعة الجائلون حق المواطنين فى السير على الرصيف.. وأن تكون اختفت حالة الفوضى التى كانت منتشرة قبل التطوير.
أتمنى أن تختفى حالة الفوضى التى يسببها الباعة الجائلون فى معظم الشوارع.. وأن تعود القاهرة إلى جمالها ورونقها القديم.. أعلم أن ما نتعرض له جميعاً من مناظر ومشاهد مؤذية.. وسلوكيات غير منضبطة هى نتاج سنوات من اهمال الأشراف.. والسماح لمن يتجاوز بالتمادى فى تجاوزاته دون حساب.. أتمنى أن تلعب أجهزة الإعلام دورها فى إنتاج الأفلام التوعوية.. وأن تساهم هذه الأفلام فى تقويم السلوكيات الخاطئة.. وأن يعود النظام إلى مختلف شوارع مصر.. وأن يحترم الجميع حق المواطنين فى السير على الرصيف.. وان تلتزم المحلات بحدودها ولا تستمر فى احتلال الأرصفة.. وان تنجح المحليات فى استعادة الأرصفة من البائعة الجائلين.. وان تختفى ظاهرة الاحتفال بافتتاح محل جديد بالسماعات التى تزعج شارعا بأكمله.. وسأوصل الأسبوع القادم رصد السلبيات فى الشارع المصرى على أمل التغلب عليها.









