تشهد الانتخابات البرلمانية عادة كثيرًا من الحديث حول الأرقام، ونسب المشاركة، ومن فاز ومن خسر. لكن المرحلة الأولى من الانتخابات الأخيرة كشفت أن الأمر لم يعد يتعلق بصندوق اقتراع فقط، بل أصبح يعكس ملامح الوعى المصرى المتجدد. فقد قدّم الناخب المصرى صورة واضحة عن طريقته فى التفكير، وعن كيفية موازنته بين العقل والرغبة، وبين الخبرة والطموح، وبين البحث عن الاستقرار والسعى نحو تحسين جودة الحياة.
فى هذه المرحلة، بدا واضحًا أن الناخب يميل إلى استخدام العقل العملي الذى يطلب الكفاءة والاتزان، وفى الوقت نفسه لا يتخلى عن العقل الرغبوي الذى يبحث عن الأمل والقدرة على تلبية الاحتياجات اليومية. هذا المزج خلق نمطًا انتخابيًا مرنًا ومتنوعًا، لا يعتمد على سبب واحد، بل على مجموعة من العوامل؛ من الانتماء المحلي، إلى المصالح المشروعة، إلى الرغبة فى الاستمرارية، وحتى إعادة ترتيب الأولويات وفقًا للواقع الجديد والمشهد الاقتصادى والاجتماعي.
كما أظهرت نتائج المرحلة الأولى تعددًا واضحًا في إرادات القوة داخل المجتمع. فالدولة تعمل على تثبيت الاستقرار، والعائلات التقليدية تسعى لاستعادة حضورها، والشباب يبحثون عن مساحة أكبر للمشاركة والتعبير. ومع كل ذلك، لا يزال المال السياسي عنصرًا مؤثرًا فى بعض الدوائر، وهو ما يشير إلى وجود خلل قديم فى فهم طبيعة العملية الانتخابية لدى بعض الفئات، رغم التطور الكبير فى وعى شرائح أخري.
لعل من أبرز الظواهر التى برزت بقوة خلال هذه المرحلة، ظهور ما يمكن تسميته بـ «الناخب ما بعد الحداثي». هذا الناخب لايتخذ قراره اعتمادًا على معيار واحد، ولا يتعامل مع الانتخابات بمنطق تقليدى ثابت. إنه يجمع بين الحسابات الواقعية والتقديرات الشخصية، وينظر إلى المرشح من زاوية الانتماء والمصلحة، ومن زاوية التجربة السابقة والتوقعات للمستقبل. وهو نمط يعكس تطورًا واضحًا فى طريقة تعامل المجتمع مع السياسة.. من أهم الدروس التى قدمتها المرحلة الأولى اتساع الفجوة بين خطاب بعض المرشحين وبين احتياجات المواطن الحقيقية. فالخطاب العام الذى يركز على الشعارات الكبيرة والرؤى الواسعة لم يعد كافيًا لإقناع الناخب. المواطن اليوم يريد خدمات ملموسة، وحلولاً واقعية، ووجودًا فعليًا للنائب فى دائرته. الفجوة بين الخطاب والاحتياج تفسّر جزءًا كبيرًا من تباين نسب المشاركة، واتجاهات التصويت فى عدد من الدوائر.. المرحلة أيضًا أكدت حقيقة مهمّة: الشرعية تُكتسب يوم التصويت، لكن الرضا الشعبى يُبنى طوال الدورة البرلمانية. فالمواطن لم يعد يمنح ثقته بسهولة، ولن يحكم على أداء النائب إلا من خلال ما يقدّمه بعد دخوله البرلمان.
وهذا يضع النواب المقبلين أمام مسئولية كبري: تمثيل فعّال، واستعادة الثقة، والتواصل الحقيقى مع الناس.. إن قراءة ما حدث فى المرحلة الأولى تكشف أن المجتمع المصرى يعيد صياغة علاقته بالمجال السياسي. هناك بحث عن صيغة جديدة تجمع بين الاستقرار والفاعلية، وبين الدور الوطنى للدولة وطموحات المواطنين، وبين الحاجة إلى التنمية والرغبة فى تغيير ملموس.
أخيراً، فإن المرحلة الأولى لم تكن مجرد نتائج تُعلن، أو مقاعد تُحسم، بل كانت مرآة صادقة للحظة المصرية الراهنة. لحظة تتطلع إلى المستقبل، وتتمسّك بالاستقرار، وتطلب تحسين جودة الحياة. ومع استمرار المراحل القادمة، سيستمر المشهد فى رسم علاقة أكثر نضجًا ووعيًا بين المواطن ومؤسسات الدولة، على أمل أن يبقى الهدف واحدًا: بالحب نبني… وبالوعى نُكمل الطريق.









