ها نحن نعيش بدايات افتتاح المتحف المصرى الكبير للمواطنين المصريين والزائرين من الأجانب والعرب فى أعقاب تلك الاحتفالية الكبيرة التى تشرفت بحضور السيد الرئيس عبد الفتاح السيسى والسيدة قرينته وحضرها العديد من ضيوف مصر الكرام…. نبدأ فى ضرورة التفكير والتخطيط لبدء مرحلة جديدة من مراحل تنشيط العمل السياحى بمفهومه المختلف سواء كان ذلك لزيارة المتحف والآثار المصرية خاصة فى محافظات الجيزة والأقصر وأسوان وهو ما نطلق عليه السياحة الثقافية التى تهتم بتاريخ الدولة المصرية الضارب بجذوره من آلاف السنين…. والسياحة العلاجية وهى التى تهتم بزيارة الأماكن الاستشفائية الموجودة بالصحراء الغربية ومحافظات سيناء حيث الرمال الناعمة التى تساهم فى شفاء العديد من الأمراض…. والسياحة الدينية…. وسياحة المؤتمرات …. والسياحة الترفيهية والشاطئية خاصة بمحافظتى جنوب سيناء والبحر الأحمر.
فى تقديرى أن الترويج لكل جانب من تلك الجوانب السياحية يختلف عن الآخر …. فالحديث عن السياحة الثقافية أو التاريخية أو الأثرية يختلف عن غيره من الأنواع الأخرى وهو ما سوف أتناوله بشئ من التفصيل من منطلق أن المتحف المصرى الكبير سيكون هو قبلة المصريين والأجانب خلال الفترة القادمة على ضوء الاحتفال المبهر الذى جعل الأنظار تتجه إليه حتى ولو من قبل باب العلم بالشئ ….وهنا أبدى تخوفى أن هذا الانبهار قد ينحسر مع مرور الوقت خاصة بالنسبة للمصريين وهو ما شاهدته بنفسى بالنسبة لمتحف الحضارات الذى تم افتتاحه منذ عدة سنوات بمنطقة الفسطاط بمصر القديمة عند زيارتى له عدة مرات وكنت ألاحظ أن أعداد المصريين الزائرين فى تناقص مستمر خاصة بالنسبة للطلبة المنشغلين بدراستهم أو للشباب المنشغلين بأعمالهم.
من هذا المنطلق جاء تساؤلى ما هو الهدف المأمول من افتتاح المتحف المصرى الكبير وكيف يمكن استثماره لكى نصل إلى عدد السائحين الذين نأمل أن يصل عددهم إلى 30 مليون سائح بحلول 2030 كما صرح بذلك الدكتور مصطفى مدبولى رئيس مجـلس الوزراء ؟….ما هو دور الدولة بمختلف أجهزتها وهيئاتها وبالتحديد وزارت السياحة والأثار والتربية والتعليم والتعليم العالى والطيران والداخلية والثقافة والهيئة العامة للاستعلامات والمجلس الأعلى للإعلام ؟… ما دور المواطن فى الحفاظ على هيبة المكان وسلامته والحفاظ عليه وأسلوب تعامله مع الزائرين الأجانب؟.
فى البداية لابد أن نشير إلى أن حالة الاستقرار الأمنى التى تعيش فيها البلاد حالياً تمثل مناخاً صالحاً وآمناً يعزز ثقة السياح فى زيارة مصر وكذلك الحال بالنسبة للبنية التحتية وتطوير الطرق ما ساهم فى سهولة الحركة والتنقل بين المدن والمحافظات بشكل كبير….ومن ثم فإن هناك واجبات كبيرة وكثيرة يجب أن تقوم بها الجهات المشار إليها استثماراً للمعطيات السابقة خاصة بعد افتتاح المتحف الكبير وأن تسعى إلى التحرك فى كافة الاتجاهات بشكل يمثل منظومة متكاملة تتشارك فيها لبلوغ الهدف المنشـــود للوصــول إلى عــــدد الســياح المطـــلوب وهو ما سوف يترتب عليه زيادة الدخل القومى للبلاد خاصة من إيرادات النقد الأجنبى علماً بأن إيرادات السياحة سجلت خلال عام 2024 نحو 15،3 مليار دولار حيث وصل عدد السائحين إلى 15،78 مليون سائح ومن المتوقع أن يصل هذا العدد بنهاية العام الحالى 2025 الى 18 مليون سائح بإذن الله وهذه الزيادة سيكون السبب الرئيسى لها المتحف المصرى الكبير.
لا شك أن هذه الزيادة المتوقعة تتطلب ضرورة الاهتمام بإضافة مالا يقل عن استحداث عدد 100 ألف غرفة فندقية جديدة فى القاهرة والجيزة من الفنادق ذات النجوم الثلاثة أو الأربعة وتأسيس العديد من المقاهى والمطاعم وغيرها من المنشآت التى يحتاجها السائح الأجنبى وهو ما يتطلب تذليل العقبات التى تعوق الاستثمارات الأجنبية والعربية وهو الأمر الذى يجب أن نتعامل معه بجدية وبشكل سريع.
ولما كانت السياحة الأثرية تختلف عن مثيلتها من الأنشطة السياحية الأخرى فإن ذلك بلاشك يتطلب ضرورة الاهتمام بالجانب العلمى والأكاديمى فى دراسة الآثار والتاريخ المصرى والحضارة والهوية المصرية الممتدة والمتصلة منذ بدء التاريخ وأن يكون هذا البناء على مستوى الجامعات المصرية بل والمراحل التعليمية المختلفة كل حسب قدرته الاستيعابية حتى يتعلم الجميع منذ النشء وحتى الشباب تاريخ بلادهم وحضاراتها بحيث لا تتحول زيارة المتحف الكبير وغيره من المتاحف المنتشرة فى بعض المحافظات والتى يصل عددها 28 متحفاً الى مجرد زيارات ترفيهية أو ترويحية تؤدى إلى افتقاد الشعور بهيبة تلك المتاحف بل وبالرهبة والالتزام بالهدوء والاحترام والسكينة أثناء زيارتها والمرور على آثار الأجداد القدماء الذين كانت لهم حضارات فى الوقت الذى كان العالم يموج فى بحار الجهل والظلمات…. لابد إذن من زرع الوعى الأثرى لأطفالنا وشبابنا وهو أمر ليس من الصعب تحقيقه خاصة إذا تم تنظيم زيارات لهم لتلك المتاحف بأسعار مخفضة على أن يصطحبهم خلالها طلبة من كليات الآثار وكذلك أساتذة تلك الكليات الذين يقومون بالشرح لهم بأساليب مبسطة تربطهم بتاريخهم المشرف وتنمى فيهم روح الفخر والانتماء لأصولهم العريقة.
نعود مرة أخرى إلى كيفية الترويج الخارجى فى دول العالم المختلفة لجذب السياح لزيارة المتحف المصرى الكبير وغيره من المواقع الأثرية الأخرى وأعتقد أنه من الممكن أن تساهم وزارة الطيران بعمل رحلات خاصة وبأسعار مخفضة وهو ما يطلق عليها رحلات «الشارتر» بالتنسيق مع شركات الطيران الخاصة التى تعمل تحت إدارتها…. وأتذكر هنا تشغيل مثل هذه الرحلات منذ عدة سنوات على السياحة الروسية تحديداً على أن يتم ذلك بعد دراسة الجدوى اللازمة لعدم تحمل خسائر نتيجة ذلك….كما أنه من الممكن أن تساهم وزارة الثقافة ووزارة الشباب والرياضة من خلال توجيه دعوات لكبار الفنانين والرياضيين لزيارة المتحف الكبير وذلك على مدار العام مع ضرورة إعداد خطة عمل سنوية تشارك فيها الهيئات المعنية ويتم متابعة تنفيذها بكل دقة من الجهات الرقابية بهدف التأكد من تحقيق الأهداف المنشودة والمحددة فى تلك الخطة والعوائد الاقتصادية والسياحية التى تحققت نتيجة ذلك.
لقد حققت مصر قصة نجاح بافتتاح المتحف المصرى الكبير والذى جاءت فكرته عام 1992 وتم وضع حجر أساسه عام 2002 إلى أن تم افتتاحه فى نوفمبر 2025 ليحقق حلماً كبيراً مازلنا نعيشه إلى الآن …إلا أننا نطمع فى أن يحقق هذا الحلم أملاً كبيراً فى تحقيق طفرة سياحية واقتصــادية وثقافيــة وتوعويـة وانتمائية غيرمســبوقة … ألا هل قد بلغت…اللهم فأشهد.









