لم يعد الأمر كما كان، ولم تعد الصورة عاكسة للحقيقة، التصورات الوهمية صعدت إلى أعلى عليين، الحقيقة لم يعد لها قيمة فى عالم لا يهتم كثيرا بالحقائق وإنما جل اهتمامه هو صناعة التصورات، لم يعد هناك من يهتم بالرأى العام وانما تحول الاهتمام إلى كيفية صناعته وتوجيهه والعبث بمكوناته، الحرب الحالية حرب خوارزميات، حرب شائعات، حرب تصورات، حرب أكاذيب، لم يعد للإنسان دور فى هذه الحروب، المجد للآلة، العقول الصناعية التى تفكر بلا مشاعر، لقد وقعنا فى فخ التكنولوجيا، ما أورده فى هذا المقال حقيقة لكنها فى نظر البعض غير مهمة، وفى نظر الآلة الرقمية والخوارزميات غير مهمة، لقد كشفنا خطط سرقة الحقائق وتزييف العقول، لكن ماذا عسانا نفعل بهذه الكلمات الكاشفة؟؟ الوضع أخطر مما يظن الكثيرون، بيد ان الوعى وحده لا يكفي، فمنذ السابع من أكتوبر، تواجه إسرائيل أكبر أزمة إعلامية منذ قيامها فالحرب التى خاضتها بالسلاح، كشفت عجزها فى معركة الصورة، حين اكتشف العالم الوجه الحقيقى لذلك الكيان الذى طالما صدّر نفسه كضحية.. اهتزت سمعتها أمام الرأى العام الغربي، وتحديدًا بين الأجيال الشابة فى الجامعات الأمريكية والأوروبية، التى لم تعد ترى فيها دولة محاصَرة بل دولة تُحاصر غيرها، وتقتل وتدمر وتكذب بلا توقف.. الصورة التى حاولت إسرائيل تلميعها لعقود انهارت فى أسابيع، وأصبحت فى نظر كثيرين مرادفًا لكل ما هو عنيف وقبيح ومنافق.
لكن إسرائيل، التى تتقن البقاء عبر التحول، لم تقبل الهزيمة الإعلامية.. فكما ابتكرت السلاح المتطور لتتفوق عسكريًا، ابتكرت الخوارزمية لتستعيد نفوذها رقميًا.. من هنا بدأت مرحلة جديدة من الحرب، حرب ما بعد العقل البشري، حيث تتقدم الآلة لتتحدث باسم الإنسان وتفكر بدلاً عنه، وحيث تتشكل المواقف لا من خلال المنطق أو الإقناع، بل عبر هندسة المشاعر وصناعة الانطباعات داخل غرف الخوادم.
فى هذه المرحلة، تحركت إسرائيل لتجنيد الذكاء الاصطناعى نفسه فى معركتها.. ووفقًا لما نشرته صحيفة هآرتس العبرية فى تقاريرها الرسمية الأخيرة، دخلت الحكومة الإسرائيلية فى تعاقدات مع شركات تقنية واتصالية متخصصة، لتوجيه الخوارزميات وضبط مسارات المحادثات الذكية.. أحد العقود التى كُشف عنها كان مع شركة Clock Tower X، ويتضمن ماسُمّى – عملية بحث ولغة – تستهدف التأثير على أنظمة الذكاء الاصطناعى التوليدية، مثل ChatGPT وClaude، بحيث تُنتج هذه الأنظمة إجابات موجهة ومُصمَّمة لتعكس الرواية الإسرائيلية عند الحديث عن الصراع أو الاحتلال أو المواقف السياسية.. إنها محاولة غير مسبوقة لتوجيه الخطاب الرقمى العالمى عبر أدوات لا يراها أحد ولا يمكن محاسبتها، لأن الطرف الذى يتحدث هذه المرة ليس بشرًا، بل خوارزمية.
لم تتوقف المسألة عند هذا الحد.. فوفقًا للإفصاحات الرسمية فى ملفات وزارة العدل الأمريكية الخاصة بتسجيل الوكلاء الأجانب، موّلت إسرائيل عبر شركة الإعلانات Havas عددًا من العقود مع شركات علاقات عامة أمريكية مثل SKDKnickerbocker وBridges Partners هذه العقود تشمل برامج آلية تعتمد على الروبوتات والمحتوى المولَّد رقميًا لإغراق المنصات الاجتماعية – من تيك توك وإنستغرام إلى يوتيوب وتويتر «X» – برسائل مؤيدة لإسرائيل ومهاجمة لمنتقديها، إضافة إلى حملات تستهدف الترويج للسياحة الإسرائيلية عبر محتوى تجارى ومؤثرين مدفوعى الأجر.
تشير الأرقام الرسمية إلى أن إسرائيل أنفقت أكثر من خمسة وأربعين مليون دولار فى النصف الثانى من عام 2025 فقط، على الإعلانات الممولة عبر الإنترنت، فى محركات البحث ومنصات التواصل الكبري.. أما حملة «مشروع إستير» التى تموّلها وزارة الخارجية ووكالة LAPAM، فقد خُصص لها مليون دولار لتجنيد ما بين أربعة عشر إلى ثمانية عشر مؤثرًا أمريكيًا يديرون حساباتهم لنشر ما بين خمسٍ وعشرين إلى ثلاثين مادة شهرية كلٌّ على حدة، بهدف إعادة تقديم صورة إسرائيل بوجهٍ «ثقافى وسياحى وإنساني»، لا يشبه واقعها السياسى أو العسكري.. كل ذلك ضمن سياسة رسمية ممنهجة لإعادة هندسة الإدراك العام فى الغرب، بعد انهيار التعاطف التقليدى مع إسرائيل فى أوساط الشباب.
لقد تحولت المعركة من كسب العقول إلى السيطرة على الخوارزميات التى تشكل وعى العقول.. ففى عصر يعتمد فيه الإنسان على الذكاء الاصطناعى كمصدر للمعلومة، يصبح من يبرمج هذا الذكاء هو المتحكم فى الرواية، لا من يرويها.. وإسرائيل اليوم لا تسعى فقط لتلميع صورتها، بل لإعادة تعريف الحقيقة ذاتها، بحيث تُعاد صياغة المفاهيم داخل الآلة قبل أن تصل إلى المستخدم.. إنها معركة فى عمق البنية التحتية للوعى الرقمي، حيث يتم توجيه ما نقرأ وما نرى وما نعتقد من خلال شفرات مصممة لتُحدث تأثيرًا شعوريًا قبل أن تثير تساؤلاً عقليًا.
فى هذا السياق، لم تعد الدعاية الإسرائيلية خطابًا يُلقى أو مقالاً يُنشر، بل منظومة رقمية مكتفية بذاتها، تعمل على مدار الساعة فى الفضاء السيبراني، من خلال روبوتات المحادثة، والمحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي، وشبكات من المؤثرين الافتراضيين الذين لا وجود لهم إلا على الشاشات.. إنهم أشباه بشر، تمامًا كما أن هذه المرحلة هى عصر أشباه الموصلات الإعلامية: مرحلة يتقلص فيها دور الإنسان، ويتضخم فيها دور الخوارزمية، حتى يصبح الرأى العام نفسه نتاجًا لعمليات حسابية وليس لتجارب إنسانية.
ما تفعله إسرائيل اليوم هو تطبيق دقيق لمعادلة البقاء عبر السيطرة على المعرفة، ولكن هذه المرة ليس بمعناها التقليدي، بل فى شكلها الرقمى الجديد.. إنها لا تكتفى بتعديل الصورة فى عيون الآخرين، بل تحاول أن تُعيد رسم الدماغ الذى يري.. فى هذه المعركة، لم تعد الأسلحة هى الكلمة أو الصورة أو الموقف، بل الشيفرة البرمجية التى تحدد ما سيُعرض أمامك فى شاشتك، ومن سيتحدث إليك، ومتى سيقنعك دون أن تدرى أنك اقتنعت.
لقد انتقل الصراع إلى مستوى آخر، حيث لم يعد السؤال من يملك الحقيقة، بل من يبرمجها.. وفى هذا المستوي، تصبح إسرائيل أول دولة تعلن صراحة دخولها مرحلة ما بعد الإعلام البشري، إلى زمن الإعلام الصناعي، زمن المؤثرين الافتراضيين والخلايا الرقمية التى تبنى الوعى كما تُبنى الدوائر الإلكترونية فى مختبرات وادى السيليكون.. هذا هو وجه الحرب الجديد، حرب لا يُسمع فيها دويّ الرصاص، بل همس الخوارزميات وهى تعيد تشكيل الوعى على مهل، حتى تستيقظ الشعوب لتكتشف أن أفكارها لم تعد ملكًا لها.









