فى زمن ليس ببعيد، كان الأطباء المصريون من أعضاء هيئة التدريس فى الجامعات يسافرون إلى بريطانيا بعد التخصص؛ لاكتساب المزيد من العلم والمهارات والشهادات فى هذا البلد العريق، والذى تمتد حضارته وتقدمه العلمى فى مجال العلوم الطبية إلى قرون مضت. وكنت أنا منهم؛ سافرت بعد حصولى على الماجستير واكتسابى لخبرة كبيرة فى جراحات أمراض النساء والتوليد أثناء عملى كطبيب مقيم فى جامعة عين شمس. ومن المعروف أن الطبيب المقيم فى أى مستشفى جامعى فى مصر يكتسب كما هائلاً من الخبرة والدراية فى مجال تخصصه. وهذا بالفعل ما قاله لى أول بروفيسور إنجليزى عملت معه: «أنتم المصريون تأتون ومعكم خبرة كافية لمزاولة المهنة، ولكنكم تتعلمون منا كيف تصبحون أطباء بالفعل، وتكتسبون مهارات التواصل مع المريض والتعامل الفعال مع مرضه».
لقد كان محقا. تعلمت هناك الكثير بالفعل. تعلمت كيف أستمتع بأن أكون طبيبا بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ. تعلمت كيف أبيت مسروراً حينما أرى نظرات الرضى فى عين المريضة، وحين أسمع كلمات الشكر وهى تغادر المستشفي. هذا هو بالفعل أجمل ما يكون فى ممارسة الطب. تعلمنا ذلك فى بريطانيا، وهو البلد صاحب الحضارة والجذور المتعمقة فى التاريخ. وسعدنا وتمتعنا بالعيش فيها رغم ضعف العائد المادى ورغم كآبة الطقس الدائمة.
كنا وما زلنا نحترم كل من فى هذا البلد لما يتمتعون به من أصالة ورقى فى التعامل. وكنا وما زلنا نسعد بأن نزور بريطانيا، ونسترجع ذكريات أيام قضيناها بينهم وتعلمنا منهم؛ أولاً لأنهم بالفعل يستحقون ذلك، وكذلك لأننا نحن أيضاً أصحاب حضارة، وشعب أصيل يحفظ الجميل ويقدر الإخلاص ويعرف كيف يرد المودة والمشاعر الطيبة.
تذكرت هذا كله حين مر بخاطرى قصتى مع زميل كان يدرس معى فى كلية الطب فى مصر. وبسبب تسلسل حروف الأسماء، كنا دائماً أنا وهو فى نفس المجموعة أو القسم طوال فترات الدراسة. ونظراً لتضاؤل تحصيله العلمى بسبب عدم تمكنه من اللغة الإنجليزية والتى هى لغة الدراسة فى الكلية، كنا دائماً ما نساعده ونشجعه، ونعرض أنفسنا للمساءلة ونسانده فى الامتحانات!!
هذا الزميل لم يكن مصرياً، ولكنى كنت أعتبره صديقاً لي، بل صديقاً عزيزاً أيضاً، وأعامله من هذا المنظور. وتخرجنا. سافر هو إلى بلده، وسافرت أنا إلى بريطانيا. ومرت سنوات، وتعاقدت معى بلد هذا الزميل للعمل بها. وحين سافرت إليها، كانت لى رغبة أكيدة لرؤيته. وعلمت أنه أصبح يتبوأ مركزاً مرموقاً فى وزارة الصحة هناك. فذهبت لزيارته فى مكتبه، وكلى شوق صادق لأن أقابله. دخلت إلى المكتب، فقام بمد يده وهو جالس على مقعده وقال بفتور غريب: «أهلاً يا دكتور». صُدمت! واستدرت إلى الخلف لأخرج مسرعا بينما هو يحاول اللحاق بي.
دمعت عيني. يومها علمت تماما معنى الأصالة والوفاء. علمت كيف أن الإنسان يتطبّع بالبيئة التى نشأ فيها. فإن كانت البيئة طيبه، صلح من خرج من أرضها ونجده يتشبع بالشهامة والوفاء. أما من جاء من بيئة تفتقر الى جذور حضارية فمهما بلغ علمه أو ماله أو مقداره دائماً ما يظل مفتقراً إلى الأصالة.
فالأصالة والحضارة والعراقة لا تباع ولاتشتري، ولا هى ادعاء أو صَيحات. ولامجال على الإطلاق للجدال أو الحوار مع من ليس له أصل ولا حضارة ولا عراقة.









