لا تُقاس خسارة الأصدقاء ببعد المسافة، بل بصدق الأثر. بالأمس فقط، اهتزت الأرض تحت قدمي عندما جاء الخبر كالصاعقة: مؤمن مصباح العجمي، صاحب الابتسامة التي لم تعرف العبوس، وصاحب القلب الأبيض النقي، رحل عن دنيانا. حتي هذه اللحظة، تعجز الحروف عن تصديق أنني لن أري صديقي الذي كان وجهه مرآة للخير والبساطة.
عرفت مؤمن لسنوات طويلة، بدأت بين جدران نادي حلوان العام، حيث جمعنا شغف كرة اليد. أربع سنوات كنا نتقاسم فيها حماس الملعب وروح الفريق. ثم تفرقت بنا سبل الحياة، كما يحدث دائماً. مرت السنوات، والتقينا مجدداً، ثم مرت سنوات أخري لنلتقي مرة ثالثة. في كل لقاء، كان مؤمن كما هو: نفس الابتسامة الصافية، ونفس النقاء الذي لا يتغير ولا يتأثر بالزمن أو ضغوط الحياة.
كان مؤمن نسيجاً وحده في طيبته. كانت صفاته الأساسية هي الغياب التام عن أي شكل من أشكال النميمة أو الخوض في سيرة أحد. كان دائم الحب للجميع، يحمل للكل الود الصادق، ومحباً للحياة ببهجة طفولية لم يفقدها أبداً.
كان كريماً بشكل يفوق الوصف، سخاء نفسه كان يسبق سخاء يده. كان يعطي بعمق وبصمت، مبتغياً وجه الله، دون انتظار لأي شكر أو ثناء. وعندما جاءته الابتلاءات، كان صابراً محتسباً، يري في قضاء الله خيراً لا يعلمه إلا هو.
إن الحديث عن مؤمن لا يكتمل دون ذكر عظيم تضحيته لأجل أبنائه. لم يكن مجرد أب محب، بل كان أباً متفانياً كرس حياته لضمان سعادة أولاده ومستقبلهم. كان يري أن الهدف الأسمي من وجوده هو رسم الابتسامة علي وجوههم، وتوفير الأمان لهم. لقد قدم مؤمن حياته بلا ضجيج، صامتاً، وكأن كل جهده وتفانيه كان استثماراً في راحة أبنائه. وهذا هو قمة العطاء الذي لا يقدر بثمن، أن تجعل سعادة من تحب هي غايتك الكبري.
لقد كان عشقه الأول لوالدته رحمها الله، التي فقدها منذ أيام قلائل. كانت قصة بره بها والتصاقه بها مضرب المثل. وكأن قلبيهما لم يحتمل الفراق طويلاً؛ فإذا به يلحق بوالدته في رحلة أبدية لا انقطاع فيها. هذا الارتباط الروحي العميق يفسر سرعة هذا الوداع المؤلم.
وفي لحظة الوداع القاسية، لم أتمالك نفسي إلا وأنا أعانق شقيقه الأكبر ماجد، الذي كان قربه عزاءً بارداً في هذه الفاجعة. وعندما همس ماجد في أذني بعبارة «كان يحبك يا معتز»، شعرت بالكلمات تمزق روحي. لم تكن الكلمات مجرد عبارة مواساة، بل كانت شهادة علي صدق هذا القلب الذي رحل، قلب يعرف كيف يمنح الحب بصدق دون مقابل.
مؤمن لم يكن مجرد صديق، كان درساً في الإنسانية. تعلمنا منه أن أجمل ما يمكن أن تتركه خلفك هو الأثر الطيب والذكر الحسن. ترك لنا سيرة عطرة، وتاريخاً نظيفاً، وإرثاً من البشاشة لا يمحوه الغياب.
رحم الله مؤمن مصباح العجمي، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان، وخاصة أبناءه الذين سيحملون إرث هذا القلب الأبيض. عزاؤنا الوحيد أنك رحلت إلي من هو أرحم بك، لتلتقي بحبيبتك التي طالما عشقتها. ستبقي ابتسامتك حاضرة في الذاكرة، وذكراك ستبقي حافزاً لنا لنتذكر أن الخير والبساطة هما القيمة الحقيقية في هذه الحياة الفانية.
اللهم ارحمه واغفر له واجمعنا به في جناتك.









