أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، على ما تشهده العلاقات المصرية اللبنانية من زخم كبير على مر الفترات، مشيرًا إلى أن هذه العلاقات دائمًا في مستوى متقدم، ولكن في هذه الفترة الأخيرة تشهد زخمًا بشكل أكبر، وذلك منذ زيارة الرئيس ‘جوزاف عون’ رئيس الجمهورية اللبنانية الشقيقة إلى جمهورية مصر العربية في مايو 2025، وكذا الزيارة التي قام بها دولة رئيس وزراء لبنان إلى مدينة العلمين الجديدة في أغسطس الماضي، والتي تم الاتفاق خلالها على موعد عقد هذه اللجنة العليا المشتركة في دورتها العاشرة، التي استضافتها العاصمة الإدارية الجديدة اليوم، مشيرًا إلى أنه تم الاتفاق على أن تكون هناك زيارة لبيروت خلال الشهر القادم بصحبة عدد من الوزراء، لمتابعة تفعيل العلاقات الثنائية المصرية اللبنانية.
جاء ذلك خلال المؤتمر الصحفي المشترك الذي عقده رئيس الوزراء، اليوم، مع الدكتور نواف سلام، رئيس مجلس وزراء الجمهورية اللبنانية الشقيقة، وذلك عقب ترؤسهما اجتماعات الدورة العاشرة للجنة العليا المصرية اللبنانية المشتركة، التي عقدت أمس بمقر الحكومة بالعاصمة الإدارية الجديدة، بمشاركة عدد من الوزراء والمسئولين من البلدين.
وفي كلمته خلال المؤتمر الصحفي، نقل الدكتور مصطفى مدبولي تحيات الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، إلى الرئيس جوزاف عون، رئيس الجمهورية اللبنانية الشقيقة، كما رحب بدولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني والوفد المرافق له في وطنهم الثاني مصر، بمناسبة انعقاد الدورة العاشرة للجنة العليا المصرية اللبنانية المشتركة، معربًا عن تمنيات مصر قيادة وحكومة وشعبًا للشقيقة لبنان بكل التقدم والاستقرار خلال الفترة القادمة.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن هذا المؤتمر يعقد في ختام اجتماعات الدورة العاشرة للجنة العليا المصرية اللبنانية المشتركة، معربًا عن سعادته باستضافة القاهرة أعمال هذه اللجنة بعد مرور 6 سنوات، منذ عقد الدورة التاسعة للجنة العليا المصرية اللبنانية المشتركة في بيروت، وكذا عودة انعقاد هذه اللجنة المشتركة، مشيرًا إلى التوجيهات الصادرة لكل من الوزراء المصريين واللبنانيين، بأهمية الحرص على دورية عقد هذه اللجنة المشتركة، وذلك بهدف متابعة تنفيذ ما يتم توقيعه من اتفاقيات ومذكرات تفاهم بين الطرفين.
وأشار رئيس الوزراء إلى أن أعمال الدورة العاشرة للجنة العليا المصرية اللبنانية المشتركة شهدت توقيع 15 مذكرة تفاهم واتفاقًا بين الوزارات والجهات المعنية في البلدين الشقيقين، هذا بالإضافة إلى محضر الاجتماع المشترك لهذه اللجنة العليا المصرية اللبنانية.
وخلال كلمته، توجه الدكتور مصطفى مدبولي بخالص الشكر والتقدير إلى الوزراء وكبار المسئولين من الجانبين، برئاسة كل من الدكتورة رانيا المشاط، وزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والدكتور عامر البساط، وزير الاقتصاد والتجارة اللبناني، على ما بذلوه من جهد خلال الاجتماعات التحضيرية على مدار الأيام الماضية للإعداد الجيد لهذه الدورة، معربًا عن سعادته بما تم توقيعه من مذكرات تفاهم واتفاقيات خلال اجتماعات هذه اللجنة.
وفي ذات السياق، جدد الدكتور مصطفى مدبولي الإشارة إلى التوجيهات الصادرة من جانب كل من رئيسي الوزراء في مصر ولبنان بأهمية المتابعة الفورية لمختلف ما تم توقيعه من مذكرات تفاهم واتفاقيات، والعمل على سرعة وضعها موضع التنفيذ بين البلدين، وعلى الأخص ما يتعلق بالجانب الاقتصادي، لافتًا في هذا الصدد إلى أن حجم التبادل التجاري بين البلدين الشقيقين خلال عام 2024 وصل إلى حدود المليار دولار، مضيفًا أننا لدينا اقتناع بأننا نستطيع بسهولة مضاعفة هذه الأرقام في ضوء قوة العلاقات الاقتصادية بين البلدين، وكذلك بالنظر لدور القطاع الخاص لدفع مجالات التعاون والاستثمار المشترك.
ونوَّه رئيس الوزراء إلى دعوة الجانب اللبناني للمشاركة الفعالة لمصر في مؤتمر الاستثمار الذي سيعقد في بيروت منتصف الشهر الجاري، والذي سيتم خلاله استعراض المشروعات الاستثمارية والفرص المتاحة في لبنان، مشيرًا إلى ما تم التوجيه به في هذا الشأن لكل من وزيري التخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والاستثمار والتجارة الخارجية، بضرورة تشجيع الشركات المصرية على المشاركة الفعالة في هذا المؤتمر المهم.
وأشار رئيس الوزراء إلى التوجيه الصادر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، بتقديم مختلف أوجه الدعم لأشقائنا في لبنان خلال الفترة القادمة، منوهًا إلى أن هذا يقود إلى الحديث عن الملف الآخر، وهو الملف السياسي والأمني.
كما أكد رئيس مجلس الوزراء دعم مصر الكامل لكل ما تقوم به الحكومة اللبنانية للحفاظ على استقرار وسلامة ووحدة أراضي لبنان، موضحًا أن مصر تدين بأشد العبارات كل الاعتداءات والتجاوزات التي حدثت في الجنوب اللبناني في الفترة الأخيرة من الجانب الإسرائيلي، وتدعو إلى انسحاب الجانب الإسرائيلي من النقاط الخمس التي بها تواجده، مضيفًا أنه بالتالي سنكون حريصين كل الحرص، بمجرد استعادة لبنان هذه النقاط، على دعم الحكومة اللبنانية في مشروعات إعادة الإعمار والتطوير التي يحتاجها الجنوب اللبناني خلال الفترة القادمة، منوهًا إلى أن الشركات المصرية على أتم الاستعداد لمشاركة أشقائها في الجانب اللبناني بما لديها من خبرات في مجالات التنمية والتشييد والبناء والبنية الأساسية، لتقوم بدورها في مساعدة أشقائنا في لبنان في هذا الأمر.
وأكد الدكتور مصطفى مدبولي حرص مصر الكامل على تلبية أي احتياجات للحكومة اللبنانية في المجالات المختلفة، ومنها قطاع الطاقة، حيث سنكون حريصين على تقديم كل الدعم لأشقائنا في هذا المجال.
واستطرد رئيس الوزراء أننا شُرِّفنا بوجود دولة رئيس مجلس الوزراء اللبناني معنا في حفل افتتاح المتحف المصري الكبير. ودائمًا مصر ولبنان لهما عمق كبير في مجال الثقافة والفنون، مضيفًا أننا تناقشنا معًا بشأن أن مصر ولبنان كانتا دائمًا الدولتين العربيتين الرائدتين في مجال الفنون كالسينما والثقافة والأدب، وبالتالي نحن أحرص ما يكون على استمرار تعاوننا المشترك في هذا المجال.
وأضاف أنه كان هناك نقاش في بعض الموضوعات الإقليمية، وكان هناك تقدير من رئيس مجلس الوزراء اللبناني للدور الذي قامت به مصر في وقف إطلاق النار في قطاع غزة وتنظيم قمة شرم الشيخ للسلام التي عقدت في أكتوبر الماضي، وأهم مخرجاتها تمثلت في وقف إطلاق النار وبدء الحراك نحو إعادة إعمار غزة على أمل مع استقرار الأوضاع أن تقام الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو لعام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ودعم لبنان لمختلف الخطوات المتخذة في هذا الشأن.
كما أشار الدكتور مدبولي إلى ما تم من مناقشات تتعلق بالظروف الإقليمية في المنطقة المحيطة بدولة لبنان، موضحًا أننا نأمل في خلال الفترة القادمة استقرار أوضاع مختلف الدول العربية، وذلك بما يسهم في التركيز بشكل أكبر على مشروعات التنمية الاقتصادية.
وفي ختام كلمته، وجه رئيس الوزراء التحية والتقدير للدكتور نواف سلام، رئيس مجلس الوزراء اللبناني لزيارة مصر الحالية، متمنيًا الخير والاستقرار والتقدم للدولة الشقيقة لبنان، قائلًا إن لبنان تحتل مكانة وحبًا في قلوب كل المصريين، ولسنا في حاجة لوصفها.. لأن هذه المكانة موجودة في صميم قلب كل المصريين بدءًا من القيادة ثم الحكومة والشعب المصري”.
وخلال المؤتمر الصحفي المشترك، أعرب رئيس مجلس الوزراء اللبناني، في مستهل كلمته، عن تشرفه بالتواجد في القاهرة مهد التاريخ والحضارة، وفي مناسبة تجمع بين بلدين شقيقين تشهد علاقاتهما بصدق الأخوة وعمق الروابط العربية.
وقال الدكتور نواف سلام: “إننا نلتقي في الدورة العاشرة للجنة العليا اللبنانية المصرية المشتركة، وهي ليست مجرد اجتماع بروتوكولي، بل محطة جديدة في مسيرة طويلة من التعاون والتكامل، تتجدد فيها الإرادة مهما تباعدت المسافات وتبدلت الظروف.”
وأضاف رئيس مجلس الوزراء اللبناني أن اللقاء يأتي متزامنًا مع حدث حضاري استثنائي تشرفت بحضوره بالأمس، وهو الافتتاح الرسمي للمتحف المصري الكبير، هذا الصرح الذي لا يضيف إلى ذاكرة مصر فحسب، بل إلى الذاكرة الإنسانية جمعاء. إنه تحفة معمارية وثقافية تروي قصة الإنسان في وادي النيل منذ فجر التاريخ، وتؤكد أن هذه الأرض المباركة ما زالت كما كانت، تنبض بالعطاء والإبداع، ومن ‘أُمِّ الدنيا’ إلى ‘ستِّ الدنيا’، من النيل إلى البحر يتجدد العطاء العربي، وتُكتب صفحة جديدة من صفحات الأخوة والعمل المشترك.
وأضاف الدكتور نواف سلام في كلمته أننا ناقشنا ملفات تمس جوهر حياة مواطنينا من الطاقة والمياه إلى التعليم العالي والبحث العلمي، ومن الصحة والزراعة إلى البيئة والتكنولوجيا الرقمية، ومن النقل إلى التنمية المستدامة، ووقعنا عددًا من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم التي تجسد هذا التعاون في مؤسسات ومشاريع واقعية، تترجم الأقوال إلى أفعال، وتميزت هذه الدورة بروح من الجدية والمسؤولية، وبإرادة واضحة لتحويل التفاهمات إلى إنجازات، وهذه الروح هي التي تمنح العمل العربي بعده الحقيقي، بأن يكون عملًا لا اجتماعًا، وشراكة لا مجاملة.
وخلال كلمته، قال رئيس مجلس الوزراء اللبناني إن لبنان تقدِّر عاليًا الدور الرائد الذي تضطلع به جمهورية مصر العربية بقيادة فخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، في دعم الاستقرار الإقليمي، وفي الدفاع عن القضايا العربية، وفي مقدمتها قضية فلسطين، وفي السعي إلى ترسيخ الحلول السلمية للنزاعات وتعزيز منظومة العمل العربي المشترك.
وأضاف أننا لا ننسى مواقف مصر الأخوية الداعمة للبنان سياسيًا ودبلوماسيًا في أحلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية، ومساندتها له في مختلف المحافل الدولية والعربية.
وأضاف الدكتور نواف سلام أن مصر كانت دائمًا إلى جانب لبنان، شريكةً في المحن كما في البناء، ولبنان من جهته يحمل لمصر قيادة وشعبًا كل التقدير والامتنان، مُجددًا خالص الشكر لدولة الرئيس الدكتور مصطفى مدبولي، والدكتور بدر عبد العاطي، على حفاوة الاستقبال وعمق التعاون، وإلى معالي الدكتورة رانيا المشاط، وفريق عملها على التنظيم المتقن والمتابعة الدقيقة التي عكست صورة مشرفة عن روح العمل المصري.
وقال رئيس مجلس الوزراء اللبناني إن العلاقات اللبنانية المصرية ليست نتاج ظرف آني، ولا مصلحة عابرة، بل هي نتاج تاريخ طويل من التفاعل الفكري والثقافي والإنساني، كما أشار الدكتور مصطفى مدبولي، فمن بيروت إلى القاهرة، ومن بطرس البستاني إلى طه حسين، ومن الرحابنة إلى أم كلثوم، ومن الجامعة الأمريكية إلى الأزهر الشريف، تمتد خيوط نهضة عربية واحدة نسجها اللبناني والمصري معًا، وتزينت بها سماء الثقافة العربية الحديثة، واليوم ونحن نلتقي مجددًا في القاهرة نريد أن نحمل هذه الروح ذاتها إلى المستقبل، نريد أن تكون شراكتنا نموذجًا للتكامل لا للتنافس، وللتخطيط لا للارتجال، وللاستثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر، نريد أن نربط مشاريعنا بالمعرفة، ومعارفنا بالتنمية، وتنميتنا بالمواطنة التي تعيد للعمل العربي صدقيته وجدواه.
واختتم الدكتور نواف سلام كلمته بتوجيه الشكر إلى كل من ساهم في إنجاح هذه الدورة، من الوزراء والمسئولين والخبراء في البلدين، ومُجددًا الشكر للدكتورة المشاط، والوزير البساط، الذين أثبتوا أن التعاون العربي لا يزال ممكنًا، متى صدقت النيات، وتوافرت الإرادة، فإن ما يجمع مصر ولبنان – ولعل هذا هو الأمر الأهم – لا يُقاس بعدد الاتفاقيات بل بعمق الثقة التي تربط بين شعبين جمعهما التاريخ ووحدهما الأفق، فمن النيل إلى البحر، ومن القاهرة إلى بيروت، تمتد رسالة الأخوة وتستمر شراكة الأمل والعمل، وتحية لمصر ‘أُمِّ الدنيا’، وتحية لبيروت ‘ستِّ الدنيا’، وعلى أمل أن نستضيف دولة الرئيس ومعاونيه في ديسمبر المقبل في بيروت.”















