يعيش المصريون والعالم لحظة فخر نادرة مع افتتاح المتحف المصرى الكبير، أكبر صرح ثقافى فى العصر الحديث.
الافتتاح غداً ليس مجرد حدث أثرى أو سياحى، بل رسالة تقول إن مصر، مهد الحضارة، مازالت قادرة على الإبداع والإلهام، وأن حاضرها يبشر بمستقبل يليق بتاريخها الذى لا يعرف الزوال.
وأنا أتابع هذه اللحظة، أشعر أن التاريخ لا يبتعد عنا، بل يقترب فى كل حجر وفى كل تمثال يحمل روح المصرى القديم. فكما هزّ موكب المومياوات الملكية قلوبنا قبل أعوام قليلة، يعيد افتتاح المتحف الكبير ذلك الشعور العميق بالفخر والرهبة معاً. إنه الإحساس بأن هذه الأرض تعرف كيف تصون إرثها وتقدمه للعالم فى أجمل صورة ممكنة.
منذ طرح فكرة إنشاء المتحف عام 2002، لم يكن الهدف مجرد تخفيف الضغط عن متحف التحرير، بل كان طموحاً أكبر: أن تعيد مصر تقديم نفسها للعالم من جديد، بثوب حديث يليق بدولة تمتلك ثلث آثار البشرية. كانت الفكرة أن نُحوّل التاريخ الحى إلى قوة ناعمة تبنى الوعى الوطنى وتلهم الأجيال القادمة.
يقع المتحف عند سفح الأهرامات، على مساحة تمتد إلى 480 ألف متر مربع، منها 135 ألف متر مخصصة للعرض الداخلى، وكأن المكان اختار قدره ليكون امتداداً بصرياً وزمنياً للحضارة المصرية. من يقف على شرفته المطلة على الأهرامات، يدرك أن الماضى والمستقبل يتصافحان أمام عينيه فى مشهد مهيب لا يُنسى.
يضم المتحف أكثر من مئة ألف قطعة أثرية، بينها كنوز توت عنخ آمون التى تُعرض كاملة لأول مرة باستخدام أحدث تقنيات العرض والإضاءة. ويحتوى على أكبر معامل ترميم فى الشرق الأوسط بمساحة 21 ألف متر مربع، إلى جانب مراكز أبحاث متخصصة تجعل منه مؤسسة علمية عالمية متكاملة لا تكتفى بعرض التاريخ، بل تدرسه وتعيد إحياءه.
ولا يتوقف دور المتحف عند البعد الثقافى، بل يمتد إلى الاقتصاد والسياحة. تشير تقديرات وزارة السياحة إلى أن افتتاحه سيزيد عدد الزائرين بنسبة 25 % خلال العام الأول، أى ما يقارب ثلاثة ملايين زائر إضافيًا ومع التجربة التفاعلية المتكاملة، والعروض التعليمية للأطفال، والمطاعم والمراكز التجارية المصممة على الطراز المصرى الحديث، سيصبح المتحف تجربة متكاملة للثقافة والترفيه والهوية.
أما داخلياً، فهو مشروع وطنى يعزز وعى المجتمع بقيمة التراث، ويشجع الشباب على دراسة التاريخ والآثار، ليعود الاعتبار للمهن الثقافية والمعرفية التى تصنع هوية الأمم.
افتتاح المتحف ليس مجرد تدشين مبنى جديد، بل إعلان دخول مصر مرحلة جديدة من الوعى بدورها الحضارى. إنه مساحة للحوار بين الثقافات، ونافذة يرى منها العالم كيف يمكن للتراث أن يكون جسراً نحو المستقبل.
وعندما تُفتح أبوابه، لن يكون الحاضرون مجرد ضيوف، بل شهود على لحظة تؤكد أن مصر، رغم كل ما واجهته، تعرف طريقها دائماً. فالماضى عندنا ليس ذكرى، بل طاقة حياة تدفعنا للأمام وتمنح الأجيال الجديدة الثقة بأن الغد سيكون أفضل.
ربما سيخرج الزائر من المتحف حاملاً صورة لمصر لاتُنسى، صورة وطن يعرف كيف يصون ماضيه ليصنع مستقبله.









