فى روسيا، الإعلام ليس مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أداة لصياغة الوعى الجمعى وصيانة الهوية. ومع مرور عشرين عامًا على تأسيس شبكة «آر تي»، يؤكد الرئيس فلاديمير بوتين أن معركة الوعى لا تقل شأنًا عن معارك الجغرافيا والسياسة، وأن الكلمة قد تكون أحيانًا أبلغ من الرصاصة فى الدفاع عن الوطن وصورته وقيمه. لقد تحوّل الإعلام الروسى خلال عقدين من الزمان إلى سلاح إستراتيجى يخوض به الكرملين معركة الوجود فى عالم تتقاذفه التيارات الفكرية، والضغوط الاقتصادية، والحروب الإعلامية غير المعلنة.
حين أطلق بوتين شبكة «آر تي» فى بدايات الألفية الجديدة، كان يدرك أن الاتحاد السوفيتى لم يسقط عسكريًا بقدر ما هُزم إعلاميًا، وأن سردية الغرب حول الحرية والانفتاح كانت أقوى من قدرة موسكو آنذاك على الدفاع عن نفسها فى ميدان الصورة والكلمة. ومن هنا جاء الإصرار على بناء منظومة إعلامية قادرة على تقديم الرواية الروسية للعالم، بلغة يفهمها الجميع، وبروح تعيد الاعتبار للقيم الشرقية التى تشكّل جوهر الشخصية الروسية. لم يكن الهدف دعاية عابرة، بل تأسيس وعى جديد يرى فى روسيا قوة أخلاقية وثقافية قبل أن تكون قوة عسكرية.
على مدى عشرين عامًا، نجحت شبكة «آر تي» فى أن تكون أكثر من مجرد قناة، بل منصة فكرية تعبّر عن عقل روسيا وروحها. وفى عالم غربى يتحدث بلغة واحدة ويكرّس معاييره بوصفها الحقيقة المطلقة، جاءت «آر تي» لتكسر هذا الاحتكار، وتعيد التوازن للمشهد الإعلامى الدولي. لم تكتفِ بنقل الأحداث من زاوية روسية، بل تبنّت خطابًا إنسانيًا يتحدث عن حق الشعوب فى الحفاظ على هويتها، وعن رفض الاستعلاء الحضارى الذى مارسته بعض القوى الغربية تحت عناوين براقة كالديمقراطية وحقوق الإنسان.
ولعل ما يميز التجربة الإعلامية الروسية أنها لم تكن مجرد ذراع للسلطة، بل مشروع وطنى متكامل يحمل رؤية حضارية متجذّرة فى التاريخ الروسي. فالإعلام هناك يتحدث عن الوطن بوصفه فكرة مقدسة، وعن القومية الروسية كقيمة تجمع لا تفرّق، وتستدعى من الذاكرة الروسية إرث الانتصار والصمود. فى خطاب بوتين الأخير خلال احتفائه بمرور عشرين عامًا على إطلاق «آر تي»، بدا واضحًا أنه ينظر إلى الإعلام باعتباره حائط الصد الأول فى مواجهة محاولات التشويه التى تستهدف بلاده. تحدث بثقة عن الصحفيين الذين «يدافعون بالكلمة كما يدافع الجنود بالسلاح»، وعن أهمية أن تبقى الحقيقة الروسية حاضرة فى أذهان العالم، مهما حاول الآخرون تزييفها.
لقد نجحت التجربة الروسية فى أن تجعل من الإعلام أداة لتثبيت الوعى القومي، ولتعزيز الإيمان بخصوصية النموذج الروسى الذى يجمع بين الصلابة السياسية والهوية الثقافية. ومن يتأمل مضمون البرامج والنشرات والتحقيقات التى تبثها القنوات الروسية يلمس وضوح الخطاب واتساقه مع الرؤية العامة للدولة: الدفاع عن الاستقرار، رفض الفوضى التى تُسوَّق تحت مسمى التغيير، والتأكيد على أن السيادة لا تُجزأ، وأن القيم الوطنية ليست سلعة قابلة للتفاوض.
ومع تصاعد حدة المواجهة مع الغرب فى السنوات الأخيرة، برز الدور الإعلامى الروسى كأحد أهم أدوات الصمود والتعبئة. فبينما تعتمد بعض الدول على القوة العسكرية أو الاقتصادية، اختارت موسكو أن تخوض معركة الصورة والفكرة فى آن واحد. فقد أدرك بوتين أن من يملك روايته الخاصة يملك نصف القوة، وأن العالم اليوم لا يُقنعه من يصرخ أكثر، بل من يمتلك سردية متماسكة ومقنعة. ولذلك، لم يكن الاحتفاء بعشرين عامًا من «آر تي» مجرد احتفال بمؤسسة إعلامية، بل تأكيد على نجاح رؤية كاملة فى تحويل الإعلام إلى ركيزة من ركائز الأمن القومى الروسي.
وربما تكمن الدروس المستفادة من التجربة الروسية فى إدراك العلاقة العميقة بين الإعلام والهوية. فالدول لا تُقاس قوتها بما تملكه من موارد فقط، بل بما تمتلكه من قدرة على صياغة وعيها وصورتها فى أذهان الآخرين. والوعي، كما يقول الروس، هو الدرع الأولى ضد الانهيار. فى زمن العولمة الإعلامية التى تذيب الفوارق بين الشعوب، اختارت روسيا أن تتمسّك بخصوصيتها، وأن تحافظ على نبرتها الخاصة، رافضة الانجرار وراء التوحيد الثقافى الذى تفرضه القوى الكبرى عبر أدواتها الإعلامية.
الإعلام الروسى اليوم ليس صدى للسلطة، بل انعكاس لفلسفة دولة ترى فى القيم الشرقية، مثل الإيمان، والانضباط، واحترام التقاليد، عناصر قوة فى وجه المادية الغربية. وبوتين، الذى يدرك أن القوة الناعمة لا تقل خطورة عن الصواريخ العابرة للقارات، يدعم كل صوت يدافع عن روسيا فى ميادين الفكر والثقافة والإعلام. وهكذا تحوّل الإعلام إلى جبهة متقدمة فى حماية الذات الروسية، وإلى سلاح يذكّر العالم بأن روسيا ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل فكرة ممتدة فى الوجدان الإنساني.
بعد عشرين عامًا من إطلاق «آر تي»، يمكن القول إن روسيا نجحت فى بناء نموذج إعلامى خاص بها، يجمع بين المهنية والانتماء، بين الانفتاح والخصوصية، ويقدّم للعالم درسًا فى كيفية أن يكون الإعلام مشروعًا وطنيًا لا مجرد سلعة إخبارية. إنها تجربة تؤكد أن من يملك الكلمة، يملك القدرة على البقاء، وأن الأمم لا تُحافظ على مكانتها بالقوة وحدها، بل بالوعى الذى تزرعه فى عقول أبنائها وأصدقائها على السواء.









