عندما تنتهى الآية القرآنية بقوله تعالى وأنتم لا تعلمون يدرك المؤمن أن ليس عليه إلا الإيمان بحكمة الخالق سبحانه فيما أمر وحكم وقضى وهى حكمة قد لا يدركها الإنسان فى حينها وأن عليه الإيمان بصواب ما أمر به مهما بدا له من تصورات وإجراءات وتحويلات بعكس ذلك.
وقد تضمن القرآن الكريم آيات أربعا تنتهى بهذا القضاء الإلهى وهى آيات تتناول دواخل النفس البشرية وما يعتريها من ضعف سواء ما يتمثل فى الخوف وحب الراحة والدعة وما تدفع إليه النفس من تصرفات تتجنب المشقة وهى لا تدرى أن الركون إلى الدعة ينطوى على ضرر وهلاك، كما تتناول هوى النفس وما يكمن فيها من كراهية وحب ورغبة ورهبة تدفع صاحبها إلى الجور أحيانا وإلى المحاباة أحايين أخرى وإلى التغاضى عن الصواب والإحجام عن مواجهة الباطل كثيرا.
من ذلك قوله تعالى فى سورة البقرة «كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (216) فلا شك أن القتال أمر لا تستريح إليه النفس البشرية بل تكرهه بل إن البعض يعجبون ممن ينخرطون فيه حتى لو كانوا يبحثون عن حق يسترجعونه أو يردون اعتداء وقع عليهم، بل أن الذين يضطرون إليه أنفسهم يذهبون إليه وهم يكرهون أنفسهم على ذلك وقصة طالوت نموذج يتعرض لمثل هذه المشاعر فى تطور خوفها ودرجات إقبالها على فعل مكروه حتى انتهى الأمر بقلة قليلة آمنت بمسئوليتها التى حملها الله لها وعليها أن تلتزم بها وانتهت إلى أن علاجها الصبر والثبات حيث قالت هذه الفئة التى بقيت من العدد الكبير الذى ظل يتسرب كلما اقتربت المواجهة فبعد أن رأت هذه الفئة أعداءها «قالت: «كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين» هنا دعت قائلة «ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين» وهو إشارة إلى ما فى النفس من ألم وترقب وقلق لا دافع له إلا باللجوء الى الله.
وهو ما عناه الله سبحانه وتعالى فى قوله: «والله يعلم وأنتم لا تعلمون» فلا يعلم مآلات الأمور إلا الله سبحانه وتعالى وعلى الإنسان أن يكون مع الحق ومع ما أمر الله به مهما بدا من خطره.
أما الآية الثانية فهى قوله تعالى: «وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُم ْأَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» فالآية تتناول حبا تحول إلى كراهية، وانسجاما وتوادا وسكنا تحول إلى انفصال ثم إلى غيرة من الاتصال بطرف آخر جديد هذه الغيرة تدفع صاحبها إلى الحيلولة بين نصفه الذى انفصل عنه ليتحد مع نصف جديد بديلا ويقدم هذا الغيران المقتحم ما ليس له بحق ألف سبب ودليل على صواب اتجاهه هذا فى الحرص على منع هذه الزيجة لكن الله سبحانه وتعالى يعيده إلى صوابه ويجعل الايمان فى مواجهة اغراءات النفس وضغائنها ويجعل كبح المشاعر والانتصار عليها تزكية للنفس وتطهيرا لها ثم يختم بحكمه الذى يقضى على أى تأويل أو تبرير وهو «والله يعلم وأنتم لا تعلمون»
أما الآية الثالثة فقوله: «هَا أَنتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ» (66)
وهو يخاطب اليهود – بمنطق عقلى – من جدلهم الذى لا يتوقف ولا يملون منه ولا يعدمون وجوده ولا يخجلون من تهافته ولا يعبأون بافتضاحهم أمام الناس حيث يجادلون رسول الله صلى الله عليه وسلم فى سيدنا إبراهيم فيدعون أنه يهودى تورانى وقد كان إبراهيم عليه السلام قبل سيدنا موسى وقبل التوراة لكنهم يجادلون فيه دون علم وهم يعلمون ذلك فسألهم القرآن هذا السؤال الاستنكارى الذى يكشف سوء أخلاقهم وينتهى بقوله «والله يعلم وأنتم لا تعلمون» ثم يعلن الحقيقة والصواب فيقول: «مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» آل عمران (67)
وها هم فى أيامنا هذه يتحدثون عن الإبراهيمية ليدلسوا على الناس ويحققوا أهدافهم واطماعهم.









