منذ عام 2012 أخذت السوشيال ميديا مكانها كأقوى منصة للتأثير على العقول وتشكيل المواقف العامة. لم تعد الصحف أو القنوات وحدها مصدر المعلومة، بل أصبحت المنصات الرقمية ساحات مفتوحة لإنتاج وتداول الأخبار. هذا التحول لم يكن مجرد تطور تقنى، بل زلزال هز مفاهيم الإعلام والحقيقة ذاتها.
فى السابق، كانت الحقيقة تصنع فى غرف التحرير عبر العمل المهنى والالتزام بمعايير الدقة. لكن مع صعود السوشيال ميديا تغيرت المعادلة: لم يعد الناس ينتظرون نشرات الأخبار، بل يتابعون منشورًا قصيرًا أو مقطع فيديو قد ينتشر فى دقائق ليصبح هو الحقيقة المتداولة. هنا بدأت مرحلة جديدة تقوم على الانفعال والتأثير العاطفى أكثر مما تقوم على الوقائع الموثقة.
منذ عام 2012 صار الرأى العام يتشكل لحظة بلحظة عبر النقاشات الرقمية. الهاشتاجات تحولت إلى صناديق اقتراع لحظية تقيس الاتجاهات وتفرض أجندة الإعلام التقليدى نفسه. كما حل المؤثرون الأفراد محل النخب القديمة من محللين وخبراء، وأصبحت المنصات الرقمية هى المسرح الأول للحشد أو المعارضة أو التضامن.
لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا منحت الأفراد قوة لم يملكوها من قبل. فهى تكشف قضايا كانت مهمشة، وتتيح للمواطن العادى أن يوصل صوته، وتمنح فرصًا للتعبئة السريعة فى القضايا الإنسانية والسياسية والاجتماعية. منذ أكثر من عقد رأينا كيف أن صورة واحدة أو مقطع قصير قادر على تغيير مواقف حكومات أو إجبار مؤسسات كبرى على الاعتذار أو التراجع.
لكن الوجه الآخر أكثر خطورة. فالأخبار الكاذبة أصبحت تنتشر أسرع من الحقائق. المنصات تحولت فى أحيان كثيرة إلى ساحات للتضليل أو التحريض. ومع صعوبة التحقق اللحظى، يصبح الرأى العام رهينة لإشاعات قد تقلب اتجاهات كاملة. أزمات سياسية واقتصادية عديدة بدأت من خبر مزيف أو حملة رقمية مدبرة.
منذ عام 2012 لم تعد السيطرة فى يد المحررين وحدهم، بل فى يد خوارزميات المنصات. هذه الخوارزميات لا تهتم بالحقيقة بقدر ما تهتم بمدى قدرة المحتوى على جذب التفاعل. النتيجة أن القصص المثيرة والمشحونة بالعاطفة تنتشر أكثر من المعلومات الدقيقة، ما يجعل وعى الجمهور موجهًا بطريقة غير مرئية.
واحدة من أخطر الظواهر التى فرضتها السوشيال ميديا هى فقاعات الرأى. المستخدم يرى باستمرار محتوى يتوافق مع قناعاته فيتأكد لديه أن رأيه هو السائد، ولا يلتقى بوجهات نظر مختلفة. هذا عمّق الانقسامات وحوّل النقاش العام إلى جزر منفصلة يصعب ربطها بخطاب جامع.
أمام هذا الواقع، لا بد أن تتطور الصحافة والإعلام ليستعيدا ثقة الجمهور. التكنولوجيا توفر أدوات ضخمة يمكن استثمارها مثل تقنيات الذكاء الاصطناعى للتحقق من الأخبار بسرعة ودقة، والواقع المعزز والافتراضى لتقديم محتوى أكثر تفاعلية، وأنظمة تحليل البيانات لفهم اهتمامات الجمهور وتوقع اتجاهاته.










لم يكن كل تطور علمي وتقني خيراً خالصاً لبني الإنسان، فالخير يحصده فقط من يملك عقلاً يستقي الحقائق من مصادرها التي تحترم عقل المواطن، ومصادر المعلومة والحقيقة في شرقنا العربي جميعها تقريباً مشكوك وربما هناك يقين بعدم صدقها أو حياديتها، وهنا يصبح الخبر والمعلومة بعيدين عن الصواب كثيرا.
وهنا وجدنا السوشيال ميديا تخترق العقل العربي بدون استئذان وذلك لعدم ثقة المواطن في وسائل إعلامه” صحافة، إذاعة، تليفزيون ” وذلك لعلم ثقة المواطن في القائم عليها، وهنا كانت السوشيال ميديا مصدراً لعسل مخلوط بالسم، وصار العقل العربي ألعوبة وأضحوكة و” حمارة الرهبة ” يمتطيها الجميع.
ها هي التقنية التكنولوجية وعن طريق التليفون والنت حولت الكثيرين إلى بشر بلهاء يفتحون أفواههم دهشة لما يشاهدون وليس لديهم قدرة على التحليل والتحقق من الحقيقة ومن المشاركة، صار شرقنا العربي صندوق قمامة تلقى فيه كل النفايات التي ندفع فيها الأموال الطائلة.
مثال بسيط لموقف العقل العربي من كل التطور التكنولوجي في ميادين الاتصال والتواصل الاجتماعي: أين هو رد الفعل العربي والإنساني من حادث مقتل محمد الدرة مقارنة بما يجري اليوم من قتل المئات والآلاف يومياً وعلى الهواء مباشرة؟!
قامت الدنيا ولم تقعد لاستشهاد الطفل محمد الدرة، بينما مقتل عشرا الآلاف من الأطفال والشيوخ والنساء والشياب لم يحرك ساكناً لأمة بأسرها، ناهيك عن البشرية التي تعميها وسائل التواصل الحديثة عن الحقيقة وتفتح عيونها على راقصة تركها خطيبها في كافيه دون أن يحاسب على كوب عصير.