في صباح مشمس من سبتمبر، تحوّلت ساحة «تيان آن من» في بكين إلى ما يشبه منصة عرض أزياء … لكن بدل العارضات والحرير والفساتين، كان العرض للصواريخ العابرة للقارات والطائرات الشبحية والدبابات اللامعة كأنها خارجة من صالون تجميل عسكري. إنه «يوم النصر» الذي تحتفل فيه الصين بهزيمة اليابان في الحرب العالمية الثانية.. لكنه في الحقيقة، لم يكن عرضًا للذكرى بقدر ما كان «خطابًا صامتًا» من التنين الصيني للعالم كله: «شوفوني كويس… أنا هنا، وأكبر مما تتصورون.» الجيش الصيني في ذلك اليوم لم يكن يستعرض فقط قوته؛ بل كان يكتب بيانًا سياسيًا على هيئة صواريخ باليستية. الصاروخ الذي عبر الميدان لم يكن مجرد قطعة حديد؛ بل جملة تقول: «أي حد يفكر يقرّب من حدودي، مستعد أرده 1000 كيلو لورا.» الطائرة الشبح التي مرّت في السماء لم تكن عرضًا فنّيًا، بل رسالة إلى تايوان ومن خلفها أمريكا: «لا تراهنوا على بعد المسافة، السماء عندي مراقبة.» اما الجمهور الذى جلس في الصف الأول وقد تصدره: الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والذى جلس بجوار الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون. الصورة وحدها تكفي لصناعة رعب دبلوماسي: ثلاثة زعماء يجلسون جنبًا إلى جنب، وكأنهم يقولون: «لو أمريكا عندها ناتو… إحنا عندنا ناتو بنكهة صينية روسية كورية.» هنا الرسالة أوضح من الشمس: التحالفات تتغير..و لم يعد العالم يدار من واشنطن وحدها..فالتنين الصيني يريد أن يقول: «أنا لم أعد مصنع لعب الأطفال والهواتف فقط، أنا مصنع القوة.» العرض العسكري الصيني الأخير ليس مجرد حدث بروتوكولي، لكنه صفعة على وجه «التوازن العالمي». كيف؟ بكين تقول لواشنطن: «أسطولك في المحيط الهادئ مش لوحده، هنا في تنين بيراقبك، وممكن في أي لحظة يعكر صفوك.» الأوروبيون الذين يعوّلون على التجارة مع الصين يجدون أنفسهم في مأزق: «هل نعاملها كحليف اقتصادي أم كخصم عسكري؟» الصين تعرض نفسها كقوة بديلة تحمي وتبيع السلاح وتقدّم نموذجًا مختلفًا عن الغرب المتعجرف. وجود روسيا وكوريا الشمالية في العرض يوحي أن هناك «محورًا جديدًا» يتشكل، لا يخجل من إظهار أن قوته ليست اقتصادية فقط بل عسكرية أيضًا. المثير للسخرية أن الصين، وهي تعرض صواريخها، كانت تقول للعالم: «نحن دعاة سلام.» تخيّل! الصاروخ الواقف خلف الرئيس شي جين بينغ طوله أطول من عمارة في وسط البلد، ومع ذلك يقول لك: «هذا سلاح ردع، مش للهجوم.» وكأنك شايف بلطجي ماسك مطواة في الشارع ويقول: «اطمّن يا معلم… أنا راجل مسالم.» وجود بوتين وكيم لم يكن «زيارة مجاملة» بقدر ما كان إعلانًا عن تحالف غير رسمي. الرسالة واضحة:روسيا تقول: «أنا لسه موجودة رغم حرب أوكرانيا.» كوريا تقول: «أنا مش معزولة… أنا قاعدة جنب الكبار.» الصين تقول: «أنا المنصة التي تلتقي عليها القوى المعارضة للغرب.» النتيجة؟ صورة تثير قلق الغرب أكثر من أي صاروخ: مشهد تنسيق سياسي–عسكري محتمل بين ثلاث دول تملك السلاح النووي وتاريخًا طويلًا من التحدي. يوم النصر بالنسبة للصين لم يكن مجرد استعراض للذكرى؛ بل كان «حفل زفاف سياسي» للعالم كله ليرى العريس الجديد: تنيناً ضخماً يبتسم ابتسامة عريضة، لكن أنيابه واضحة. العالم بعد العرض لم يعد كما قبله. أمريكا وحلفاؤها خرجوا من اليوم بوجع رأس إضافي، والجنوب العالمي خرج ببديل جديد يقول: «اللي مش عاجبه الغرب… أهلاً به في حضن التنين.» إنها لحظة فارقة: حين يختلط التاريخ بالحاضر، وحين تتحول الذكرى إلى إنذار. العرض العسكري لم يكن مجرد طائرات وصواريخ، بل كان إعلانًا أن التوازن العالمي في طريقه لإعادة الضبط… وبصراحة، التنين الصيني لا يبدو أنه ينوي التراجع خطوة واحدة.









