مازال الحديث مستمرا حول الإستراتيجية الوطنية للتصنيع. وأتحدث اليوم عن البنية التحتية الصناعية، التى تعدّ حجر الزاوية فى مسيرة التنمية الاقتصادية، فهى ليست مجرد مجموعة من المصانع والمناطق الصناعية، بل هى شبكة معقدة من الطرق، والموانئ، وشبكات الطاقة، والمرافق اللوجستية، التى تشكل معًا بيئة جاذبة للاستثمارات، ومحفزة للإنتاج، وداعمة للتنافسية. على مدى العقود الماضية، شهدت مصر تطورًا ملحوظًا فى هذا القطاع، مدفوعًا باستراتيجيات حكومية طموح تهدف إلى تحويل البلاد إلى مركز صناعى إقليمي.
تتكون البنية التحتية الصناعية فى مصر من عدة ركائز أساسية تعمل بشكل متكامل لضمان كفاءة وفعالية القطاع الصناعي. من أبرز هذه الركائز المناطق الصناعية المتخصصة التى تعتبر العمود الفقرى للبنية التحتية الصناعية، حيث توفر بيئة متكاملة للمصانع، تشمل المرافق الأساسية مثل الكهرباء، والمياه، والصرف الصحي، والغاز الطبيعي. ومن أشهر هذه المناطق مدينة العاشر من رمضان، والتي تعد من أقدم وأكبر المدن الصناعية، وتضم مجموعة واسعة من الصناعات النسيجية، والهندسية، والغذائية. أما مدينة السادس من أكتوبر فإنها تتميز بموقعها الاستراتيجى وقربها من القاهرة، وتعد مركزًا للصناعات الثقيلة، والسيارات، والصناعات الغذائية.
أما المنطقة الاقتصادية لقناة السويس: فهي تعتبر مشروعًا عملاقًا يهدف إلى استغلال الموقع الجغرافى الفريد لمصر، وتضم مناطق صناعية ولوجستية عالمية، مثل المنطقة الصناعية بالعين السخنة وشرق بورسعيد، مما يجعلها بوابة للصادرات والواردات بين الشرق والغرب.
ولا يمكن للبنية التحتية الصناعية أن تزدهر بدون شبكة نقل فعالة تربط بين مناطق الإنتاج، وموانئ التصدير، والأسواق المحلية. وقد شهدت مصر طفرة غير مسبوقة فى هذا المجال من خلال تطوير شبكة الطرق السريعة. وتم إنشاء وتوسيع آلاف الكيلومترات من الطرق الجديدة، مما ساهم فى تقليل زمن النقل، وتكاليفه، وربط المدن الصناعية بالموانئ الرئيسية مثل ميناء الإسكندرية، ودمياط، والسخنة. وقد شهدت الموانئ المصرية تحديثات كبيرة لزيادة قدرتها الاستيعابية وكفاءتها فى التعامل مع الحاويات والبضائع، مما يعزز التجارة الدولية ويسهل عملية التصدير.
ويتم العمل على تحديث شبكة السكك الحديدية لخدمة نقل البضائع، مما يقلل الاعتماد على النقل البرى ويقلل التكاليف.
وتعتبر الطاقة شريان الصناعة، وقد عملت مصر على تأمين إمدادات مستقرة وموثوقة من الطاقة الكهربائية والغاز الطبيعي. ومن أهم الإنجازات محطات توليد الكهرباء العملاقة مثل محطات سيمنس التى أضافت آلاف الميجاوات إلى الشبكة القومية، مما قضى على أزمة انقطاع التيار الكهربائى وضمن توفير الطاقة اللازمة للمصانع. أما مشروعات الطاقة المتجددة فهناك توجه نحو الطاقة الشمسية والرياح يضمن استدامة إمدادات الطاقة وتخفيض التكاليف على المدى الطويل، ويجذب الاستثمارات فى الصناعات الخضراء. وحققت مصر إنجازات كبيرة فى تطوير بنيتها التحتية الصناعية، ولكن لا تزال هناك تحديات يجب مواجهتها لضمان استمرار النمو. وقد ساهم تحسين البنية التحتية بشكل مباشر فى جذب شركات عالمية للاستثمار فى مصر، مما خلق فرص عمل ونقل خبرات تكنولوجية. والمعروف أن سهولة النقل وربط المصانع بالموانئ عزز من قدرة المنتجات المصرية على المنافسة فى الأسواق العالمية. أما التخطيط للمدن الصناعية الجديدة مثل مدينة الجلود بالروبيكى ومدينة الأثاث بدمياط، يعزز من التكامل بين الصناعات المحلية ويخلق سلاسل قيمة متكاملة.
وعلى الرغم من التقدم، لا يزال المستثمرون يواجهون بعض التحديات الإدارية التى تؤثر على سرعة إنشاء وتوسيع المشروعات. وهناك حاجة مستمرة للاستثمار فى التعليم الفنى والتدريب المهنى لتوفير الكوادر البشرية اللازمة لتشغيل المصانع الحديثة. ويجب تحقيق التوازن بين التنمية الصناعية والحفاظ على البيئة، وتطبيق معايير صارمة للمصانع للحد من التلوث. وتتجه مصر نحو مستقبل واعد فى مجال البنية التحتية الصناعية، حيث تركز الرؤية المستقبلية على عدة محاور أساسية. وهى تطبيق التكنولوجيا فى إدارة المناطق الصناعية، واللوجستيات، وسلاسل الإمداد، لزيادة الكفاءة وتقليل التكاليف. وهناك توجه نحو الصناعات ذات القيمة المضافة العالية، مثل الصناعات الدوائية، وصناعة الإلكترونيات، والصناعات الهندسية المتقدمة. وهناك تركيز على إنشاء مدن صناعية صديقة للبيئة، تعتمد على الطاقة المتجددة، وتطبق معايير إعادة التدوير، مما يعزز من تنافسية المنتجات المصرية فى الأسواق العالمية التى تتبنى معايير بيئية صارمة. وتعد البنية التحتية الصناعية فى مصر قصة نجاح مستمرة، تحكى عن إرادة سياسية قوية، وتخطيط استراتيجي، واستثمارات ضخمة. إنها ليست مجرد مشاريع منفصلة، بل هى منظومة متكاملة تهدف إلى تحقيق نقلة نوعية فى الاقتصاد المصري، وتحويل البلاد إلى قوة صناعية رائدة فى المنطقة، قادرة على المنافسة عالميًا.
وللحديث بقية