عاد الناس يتناقلون قصص الوجع مع قدوم موسم الصيف؛ بين أب دفن ابنته وهي في بداية حياتها الجامعية، وأم فقدت فلذة كبدها في لحظة فرحها بتفوّقه في الثانوية العامة. هؤلاء الضحايا ليسوا مجرد أرقام في إحصاءات موسمية، بل هم ثمن غياب رؤية متكاملة للتعامل مع الشواطئ، التي اختُزلت طيلة سنوات في كونها إنشاءات وتجهيزات. لم يعد منطقيًا أن نبقى أسرى لمشاهد الغرق المتكررة ثم نكتفي بلافتة صغيرة تقول: «ممنوع السباحة».
تكرار حوادث الغرق ليس قدرًا محتومًا. استمرار النزيف الصيفي لدماء المصطافين على سواحلنا يكشف عن ثغرات إدارية وتحديات مناخية. لم يعد مقبولًا غض الطرف عن الإهمال وضعف الرقابة، وعن غياب التعامل الجاد مع آثار التغير المناخي على شواطئنا. فكيف نقبل أن تتحول عطلة صيفية إلى مأساة جماعية متكررة؟ ولا أعفي المواطن من خطأ تجاهل تعليمات عدم السباحة.
سواحلنا الشمالية باتت على قائمة المدن الأكثر تهديدًا عالميًا؛ شواطئ تتآكل، ونوات أعنف، وتيارات ساحلية أشد خطورة. ومع ذلك، ما يُنفذ من حواجز أو مشروعات تغذية بالرمال يظل مجزأ، بلا خطة قومية شاملة تربط بين حماية الأرواح والتنمية السياحية.
ورغم امتداد سواحلنا لأكثر من 3000 كيلومتر على البحرين المتوسط والأحمر، فإن عدد الشواطئ المصرية الحاصلة على «الراية الزرقاء» لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. وغالبية الشواطئ تدار بقرارات إدارية فردية على مستوى كل محافظة، إغلاق برايات حمراء بلا حواجز فعلية، مع إنقاذ متواضع التجهيز، ومن دون خطة وطنية متكاملة لإدارة الخطر.
على الجانب الآخر من المتوسط، تمتلك اليونان نحو 380 شاطئًا معتمدًا بالراية الزرقاء الدولية، الممنوحة للشواطئ الملتزمة بأعلى معايير الأمان وجودة المياه وتوافر المنقذين والإسعافات. هناك تلتزم البلديات بتوفير منقذ لكل 200 متر، مع نقاط إسعاف متصلة مباشرة بخدمات خفر السواحل. أما في إسبانيا، التي تُعد من أوائل الدول في هذا المجال، فقد تجاوز عدد الشواطئ الحاصلة على الراية الزرقاء 600 شاطئ. وتُلزم القوانين المحلية البلديات الساحلية بتوفير أبراج مراقبة في كل شاطئ عام، مع وجود فرق إنقاذ مجهزة بقوارب ودراجات مائية، إضافة إلى ممرات آمنة للسباحة وأنظمة إنذار مبكر تُبث مباشرة عبر مكبرات الصوت، لإبلاغ المصطافين بأي تغيرات في حالة البحر.
الفارق ليس في طبيعة البحر، بل في الإرادة الإدارية والرؤية الإصلاحية المتكاملة. اليونان وإسبانيا أدركتا أن الاستثمار في الإنقاذ والبنية التحتية الساحلية حماية للأرواح قبل أن يكون ترويجًا للسياحة. لذا، نحن بحاجة إلى خطة إصلاح جذرية تبدأ بإعلان استراتيجية قومية لحماية السواحل تأخذ في الاعتبار المناخ والإنقاذ والتنمية، مع تخصيص ميزانيات واضحة لتدريب وتجهيز فرق إنقاذ على مستوى عالمي، وإلزام القرى السياحية والفنادق بمعايير الإنقاذ الدولية، والسعي للحصول على اعتماد الراية الزرقاء لشواطئنا.
ولعل أحد أعضاء مجلس النواب الجدد يتقدم بمشروع قانون وطني لإدارة الشواطئ وحماية الأرواح، يضع إطارًا قانونيًا شاملًا للإدارة والرقابة والإنقاذ. فهذا التشريع ليس رفاهية، بل ضرورة لإنقاذ مئات الأرواح والحفاظ على هويتنا السياحية، قبل أن تتحول بعض شواطئنا إلى مقابر صيفية.









