أنا من جيل الأطباء الذى أوشك على الانقراض.. الجيل الذى تتلمذ على يد أساتذه نالوا شهاداتهم العليا من بريطانيا.. وذاكرنا وتعلمنا من خلال مراجع علمية عالمية.. كانت دفعتنا لاتتعدى 200 طالب نعرف بعضنا البعض بالاسم واللقب.. لم نكن نعرف كلمة «ملازم» أو دروساً خصوصية لذلك فعندما سافر البعض منا بعد التخرج لنيل الشهادات العليا فى أوروبا أو أمريكا كنا خير من يمثل مصر.. وكنا نتألق فى كل بلد نعمل فيه.. فى تلك الأيام تعلمنا فى الكلية والمستشفى من أساتذتنا كيف نتعامل مع المريض.. وكيف نصل إلى التشخيص السليم بأقصر الطرق.. وربما بإمساك يد المريض فقط..
ثم جاءت الموجة.. وتغيرت الاحوال.. واختفت المراجع العلمية لتحل محلها «الملازم» وأصبح الطب يدرس باللغة العامية ومن اجل النجاح فى الامتحانات فقط.. وبدأنا نسمع عن فتاوى وخزعبلات غريبة يتناولها بعض الاطباء.. وازداد الاعتماد على الفحوصات المعملية والأشعة والتى تطورت بدرجة كبيرة.. ثم اقتحم الذكاء الاصطناعى المجال الطبى فى السنوات القليلة الأخيرة حاملا معه وعودا بتحسين جودة الرعاية الصحية وبدأت بعض المستشفيات والمراكز الطبية الكبرى فى مصر بالفعل استكشاف تطبيقاته خصوصا فى مجالات الاشعة وتحليل الصور الطبية والتشخيص المبكر للأمراض المزمنة والسرطان.. فمن خلال تقنيات متقدمة يستطيع الذكاء الاصطناعى تحليل صور الاشعة المقطعية أو الرنين المغناطيسى بدقة قد تضاهى أو تفوق دقة العين البشرية.
ولكن ورغم كل هذه الايجابيات لايمكن اغفال التحديات الكبيرة التى تحد من الاعتماد على الذكاء الاصطناعى فى نظام الرعاية الطبية.. ويجب تجهيز الكوادر البشرية المؤهلة للتعامل مع هذه التكنولوجيا المتقدمة وكذلك توفير البنية التحتية لتشغيل هذه التقنيات والاهم من كل ذلك ان الذكاء الاصطناعى لايستطيع ولن يستطيع ان يحاكى المشاعر الانسانية أو ان يفهم لغة الجسد أو أن يجرى حوارا وجدانيا حنونا مباشرا مع المريض وأهله.. وهو الامر المهم جدا من أجل الوصول إلى التشخيص السليم أو شرح طريقة العلاج واستخدام الدواء.. كما انه لايستطيع ان يبث الامل والطمأنينة ودعم معنويات المريض من أجل التغلب على المرض والوصول إلى الشفاء.. وطبعا نعلم جميعا الكلم الشائعة «والله انا خفيت من أول ماشفت الطبيب» وكلمة «هتبقى كويس إن شاء الله» والتى تداوى أكثر من الدواء.
الذكاء الاصطناعى لا يستطيع ولايجب ان يلغى دور الطبيب فهو لايملك الاحساس الانسانى والمشاعر البشرية، ولا القدرة على التواصل العاطفى لكنه يمكن ان يكون «مساعدا ذكيا» يرفع كفاءة الاداء الطبى ويقلل من الاخطاء ويزيد من فرص الشفاء ويبقى السؤال الأهم: هل نحن مستعدون لهذه الثورة القادمة فى الطب بينما مازلنا نعانى من سلبيات كثيرة فى منظومة الرعاية الصحية؟