لا يهتم الكثيرون بأصل الأشياء ولا يفتشون عن حقيقة الأمور، لا يحترم البعض أحداث التاريخ كما حدثت، لكن الغالبية من مثقفينا يأخذون بظاهر الأشياء، لا يكلفون أنفسهم الغوص قليلاً تحت السطح، لكنهم يأخذون ما أسميه «قصاصات معرفية» لخدمة أحاديثهم ومقالاتهم ولن أقول أفكارهم ومشروعاتهم، فمعظم هؤلاء المدعين، ليس لهم قضية يحاربون من أجلها فيقومون باستدعاء أحداث التاريخ وتحليلها ومحاولة ربط الواقع معها وصولاً إلى استشراف المستقبل.
>>>
لكن شيئاً من هذا لا يحدث، نأخذ من كتابات الفراعنة على الحوائط ما يؤيد وجهة نظرنا فى قضية ما دون معرفة السياق التى قيلت فيه تلك العبارات، نستعين بقصاصات عن محمد على وولده إبراهيم وحفيده إسماعيل وصولاً إلى آخر سلالة محمد على الملك فاروق، نأخذ عن عبدالناصر أقوالا مجتزئة أو مكذوبة وهكذا يتم التعامل مع كل الأحداث والشخصيات، حالة من اللهو المعرفى والإلهاء الثقافى المخل بكل الفضائل الأخلاقية.
>>>
أما ما يزعجنى حقاً هو تعلق الكثير من من مثقفينا بمقولات لفلاسفة وأدباء غربيين، كنوع من التفاخر المعرفى أو الثقافي، فنجد أحد الجهلاء يقول فى التلفاز وهو جالس منتفخ الأوداج «وهنا تحضرنى مقولة فولتير» وهو فى حقيقة الأمر لم يقرأ عن لفولتير وإنما سمع عنه فقط، وقد نبهنى لهده النقطة تحديداً الصديق المبدع يوسف معاطى ولكن تنبيه معاطى يختلف عن كل التنبيهات الأخري، فهو صاحب فكاهة حقيقية.
>>>
تخرج من قلبه باكية مؤلمة وعندما تصل إلى لسانه تكون قد اكتست بملابس الفرح وتعم مع ذكرها الضحكات، أعود إلى فولتير، فعندما قال القسيس لفولتير وهو يحتضر على فراش الموت «تبرأ من الشيطان وعُد إلى إيمانك بالله» فكان رد فولتير «لا وقت لدى الآن لكسب مزيد من العداوات دعونى أرقد فى سلام» كان ذلك فى الثلاثين من مارس عام 1778م، رفضت الكنيسة الكاثوليكية وفقاً لشعائرها دفن فولتير.
>>>
تمكن أصدقاؤه من دفن جثمانه سرًا فى إحدى الكنائس الكبيرة فى مقاطعة شامبانيا قبل أن يتم الإعلان رسميًا عن قرار منع الدفن، وقد تم تحنيط قلبه ومخه بشكل منفصل. وفى يوليو من عام 1971، اعتبرته الجمعية الوطنية الفرنسية أحد المبشرين بالصورة الفرنسية وتمت استعادة رفاته للاحتفاظ بها فى مقبرة عظماء الأمة.
ظهرت شخصية فولتير الحقيقة فى خطاباته التى كتبها أثناء سنوات نفيه وإبعاده خارج فرنسا.
>>>
تظهر تلك الخطابات الحيوية المفرطة التى يتمتع بها فولتير وتعدد مهاراته وبراعته المتفردة فى التكيف مع كل المتغيرات الجوانب، كان فولتير لديه قدرة فائقة على التملق والنفاق ولا يتردد فى ممارسة هذه المهارات الهائلة، وكان لديه قدر وفير من السخرية القاسية على كل من يعارضه او يخالفه الرأي، وكانت مقدرته المهنية المجردة من المبادئ الخلقية وتصميمه على الخداع والتحريف فى أى اتجاه يرى فيه مصلحته أو يستطيع به الهروب من أعدائه.
>>>
ينظر الكثيرون من المعاصرين إلى وحدة الوجود من منظور فولتير بشكل مجتزئ وخاطئ وينم عن سطحية شديدة، يتساءل فولتير « ما الإيمان ؟ فهل هو أن نؤمن بما نستطيع أن نراه واضحًا أمام أعيننا؟ لا، فمن الواضح تمامًا لعقلى – يقول فولتير – إنه من الضرورى وجود كيان خالد رفيع المنزلة عاقل ذكى فالأمر عندى – يقول فولتير – لا علاقة له بالإيمان، ولكنه مرتبط بالعقل، لذلك وصفه الكثيرون بإنه ملحد.
>>>
هاجم الكنيسة من خلال أحد أبيات الشعر وقال «رسالة إلى مؤلف الكتاب: المدّعين الثلاثة وقال ما ترجمته «إذا كان الله غير موجود، فسيكون من الضرورى إن نختلق نحن واحداً».
ثم انتقل إلى الهجوم على النبى محمد «صلى الله عليه وسلم»، فى مسرحيته «النبى محمد» ووصف العقيدة الإسلامية بالزائفة والهمجية، وتطاول على النبى بما لا يليق ولا يقبل جملة وتفصيلاً وشكلاً ومضمونا، لكنه عاد وشرح وجهة نظره فى هذا كله، قال إنه لم يشكك فى الكتاب المقدس والدين المسيحى.
>>>
كان هجومه فقط على القائمين على الكنيسة الكاثوليكية، وبالنسبة لهجومه على الإسلام فقد استغل خطابا قام بأرساله إلى البابا بنديكت الرابع عشر، والذى قام بكتابته فى باريس فى 17 أغسطس فى عام 1745 ووصف فولتير الرسول محمد بأنه رسول «ديانة تتسم بالحكمة والصرامة والعفاف والإنسانية».
دخل فولتير فى الماسونية قبل وفاته بوقت قصير وكانت رتبته مبتدئ، كان فولتير يعتقد أن الاستبداد المستنير هو مفتاح التقدم والتغيير.
>>>
لكن مقالته الأهم فى تقديرى فهى «الخطر الفظيع للمطالعة» وهذا موضع مقال آخر، لكن مثقفونا اختطفوا مقولة واحدة وجعلوها «الانترو» الخاص بأحاديثهم وهى «قد أكون مختلفاً معك فى الرأي، ولكنى مستعد للموت دفاعاً عن حقك فى إبداء رأيك» ولنا عودة.