منذ صدرت «الجمهورية» وهى تشارك فى صنع وتشكيل الحياة الفنية، إما بالتأليف أو النقد أو الإدارة.. فقد وجد فيها الكاتب والروائى والشاعر والناقد، فهل هناك أفضل من كامل الشناوى وكان رئيساً لتحريرها، بينما تكفل شقيقه أشهر شعراء الأغنية مأمون الشناوى بالرد على الرسائل العاطفية، وخرج منها محمد على ماهر صاحب أكبر رصيد من المسلسلات الدينية فى تاريخ الفن.. يكفيه 17 عاماً هى عمر مسلسله الشهير «أحسن القصص» وقد ارتبط بشهر رمضان الكريم.. وفى «الجمهورية» رشدى صالح وإبراهيم الوردانى وعبدالمنعم الصاوى ومحسن محمد، ومنها انطلق أحمد حمروش لكى يتولى إدارة المسرح القومى بتوصية من كبار المفكرين توفيق الحكيم ويحيى حقى وسمير القلماوى وكان ضابطاً ينتمى لثوار يوليو 1952، ويتولى رئاسة تحرير مجلة «التحرير» وهى أيضا من مطبوعات الثورة وللأجيال الجديدة نقول إن «الجمهورية» صدرت بترخيص يحمل اسم الزعيم جمال عبدالناصر ودفع مبلغ التأمين الأولى «300 جنيه» من جيبه ورأيت الإيصال وأنا أعد الفيلم الوثائقى «صحيفة فى وطن.. ووطن فى صحيفة» وكان الزعيم أنور السادات أول من تولى إدارتها وبعدها توالى عليها من رؤساء التحرير أسماء لامعة أبرزهم عميد الأدب العربى طه حسين.
كان حمروش يعمل بالشئون المعنوية وله كتاباته وجرى اختياره بعد الفنان الكبير يوسف وهبى لأن الصراعات كانت قد دخلت إلى أقصاها بين كبار الفرقة وشبابها، واتجه الرأى إلى إدارة محايدة هدفها إعادة ترتيب الفرقة الأولى فى مصر، وكان رائد الاقتصاد المصرى طلعت حرب قد ربط الفن بالاقتصاد وأنشأ استوديو مصر ومسرح الأزبكية القومى 1922، واكتشف حمروش أن ميزانية الفرقة طوال سنة 23 ألف جنيه، وعليهم بعد ذلك الاعتماد على الإيرادات، وكان أبرز نجوم الفرقة أمينة رزق وأحمد علام وحسين رياض، والراتب الشهرى لكل واحد منهم 37 جنيهاً فقط لاغير، وهم أعلى الأجور وذلك عام 1956، بينما أجور حسن البارودى وشفيق نورالدين وفؤاد فهيم ولطفى الحكيم 17 جنيهاً، وكان أجر يوسف وهبى قد بلغ 100 جنيه، مضاف إلى ذلك ربع إيراد الفرقة كل ليلة، وأول ما فعله حمروش أعطى 3 جنيهات علاوة لكل فنان، وكانت الفرقة تضم أيضا عبدالمنعم إبراهيم وعمر الحريرى ونجمة إبراهيم وسميحة أيوب وسناء جميل وعبدالرحيم الزرقاني، وأغلبهم لم يكن يعتمد على أجور المسرح لأن شغلهم فى الإذاعة والسينما لم يكن هناك تليفزيون وقتها كان يكفيهم والمسرح هو العشق الذى يدفعون لأجله، والجيل الأول كان يسافر إلى الصعيد فى مراكب نيلية وخوفاً من الحرامية، كانوا يستخدمون ملابس التمثيل «العساكر والضباط» وهم على المركب لإبعاد اللصوص.
قالت «روزاليوسف» فى مذكراتها إن الفرقة رغم أنها تضم أسماء لها وزنها، لكن التعامل معها كان يتم بالواسطة والمحسوبية ومن يعرف الوزير المسئول تكون له البطولة على حساب غيره.
من البداية
درس حمروش كل المشاكل وعرف تاريخ المسرح الذى بدأ مع الحملة الفرنسية، والمصرى الأول الذى ظهر على الخشبة هو يعقوب صنوع 1839، وعمل بالصحافة وأكمل جورج أبيض 1910 المسيرة بعد أن عاد من بعثة إلى فرنسا، وظل المسرح يعتمد على الأعمال الأجنبية حتى كانت «مصر الجديدة» هى أول عمل وطنى خالص، ثم تعاون جورج أبيض مع الملحن الشيخ سلامة حجازى ثم ظهر عزيز عيد وكون فرقة مع منيرة المهدية حتى التقى عزيز مع المؤلف أمين صدقى وفيها ظهرت شخصية عمدة كفر البلاص بطولة نجيب الريحانى وقدم فى الكباريهات شخصية «كشكش بك» ثم كانت نقطة التحول 1935، عندما تعاون الريحانى مع المؤلف بديع خيرى وأبرز أعمالهما فى هذا الوقت «حكم قراقوش»، وكان يوسف وهبى قبلها قد كوّن فرقة رمسيس بعد عودته من إيطاليا، وأنفق ميراثه كله على المسرح، ثم تكوّنت أول فرقة حكومية 1935 وكانت التذكرة فى الصف الأول ثمنها 51 قرشاً، واشتكى الناس، فتم تخفيضها إلى ربع جنيه، ورغم أن وهبى قدم مسرحيات مهمة مثل «راسبوتين المجنون» إلا أن الكاتب الصحفى محمد التابعى وصف مسرحية «الذبائح» التى لعب وهبى بطولتها بأنها عبارة عن مناحة وفيها كان يصرخ فى زوجته على المسرح: روحى وانتى طالقة بعدد شعر رأسك، وبعدد رمال الصحراء، بعدد السلالم اللى هتنزلى عليها، وكانت زوجته فى المسرحية «روزاليوسف» التى اعتزلت العمل المسرحى وأنشأت المؤسسة الصحفية الشهيرة، وفى عام 1921 بدأ اسم أحد طلاب كلية الحقوق يبرز فى الوسط المسرحى وهو توفيق الحكيم وكانت مسرحيته الأولى «خاتم سليمان» وقدمتها فرقة عكاشة فى شكل أوبريت غنائى لحنه كامل الخلعي، وكان يتقاضى 20 جنيهاً عن المسرحية، وكان يكتب باسم مستعار هو «حسين افندى توفيق»، فإذا كانت المسرحية غنائية زاد أجره 10 جنيهات، على خلاف المسرحية الدرامية، ثم سافر «الحكيم» إلى باريس وكتب «أهل الكهف» بعد عودته وتواصل إنتاجه على مدى 40 عاماً قدم خلالها 50 عملاً بعضها تم عرضه بعد ترجمته فى النمسا وإيطاليا وفرنسا ويوغسلافيا وبريطانيا والسويد والدنمارك وكانت نظرية الحكيم أن المسرح يجب أن يصل إلى الجميع بلغة ترتقى بالذوق العام، وتنمى الوعى عند المتفرج والبسيط ولا تتعالى عليه، وفى نفس الوقت تكون لها رسالة يحترمها المثقف، ونشطت حركة الترجمة عن الأعمال الغربية وتوالى ظهور الكتاب نعمان عاشور، لطفى الخولي، يوسف إدريس، وكانت الأجور قد ارتفعت للمؤلفين لتصبح 400 بدلاً من 120 والمخرج 150جنيهاً، وظل الحكيم يتصدر القائمة.
لما جاء التليفزيون، كوّن السيد بدير عدة فرق مسرحية، لمع من خلالها فؤاد المهندس وعادل إمام وعبدالمنعم مدبولى وأمين الهنيدى ومحمد عوض وأبوبكر عزت وسعيد أبوبكر وسميحة أيوب وسناء جميل ورجاء حسين، ورعت الدولة التنوع المسرحى «الكوميدي، الطليعة، الحديث، القومي، الجيب، العرائس، الأطفال، الغنائى والاستعراضي»، ومازال المسرح الحكومى حتى وقتنا هذا يواصل رسالته ويشهد القومى حالياً إعادة «الملك لير» بطولة الفنان القدير يحيى الفخرانى مع طارق دسوقى وإخراج شادى سرور، عن رواية وليم شكسبير.









