قُتل رسميًا 60 ألف فلسطينى فى قطاع غزة
فى سابقة هى الأولى من نوعها وتعطى دليلا جديدا على الفساد الأخلاقى والسياسى للعالم, وترسم نهاية مأساوية لما يسمى بالقانون الدولي؛ فرضت إدارة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب مؤخرا عقوبات مباشرة على المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيزي؛ بسبب تقاريرها التى اتهمت فيها إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية فى غزة,جاءت العقوبات ضمن أمر تنفيذى يسمح بمعاقبة من يدعم جهودًا قانونية ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل فى المحافل الدولية، ومن المتوقع أن تؤدى العقوبات إلى منع ألبانيزى من دخول الولايات المتحدة، وتجميد أى أصول تمتلكها هناك، لتكون أول مقررة أممية تُدرج رسميًا على لوائح العقوبات, ولم يقتصر الأمر على ذلك، حيث تتلقى ألبانيزى تهديدات بالقتل بشكل منتظم، وتتعرض لحملات تشويه مُحكمة تقودها إسرائيل وحلفاؤها، ومع ذلك فهى تواجه كل ذلك بثبات، وتواصل مهمتها الحقوقية بشجاعة، مؤكدة أن الضغط لن يثنيها عن قول الحقيقة.
فى مطلع 2024 قامت إسرائيل بمحاولة لعزل المقررة وشل قدرتها على جمع المعلومات ميدانيًا عندما أعلنت حظر دخولها إلى الأراضى المحتلة، ودعت علنًا إلى إنهاء ولايتها عقب تصريحات لفرانشيسكا ألبانيزى اعتبرتها الحكومة الإسرائيلية غير مقبولة,لكن هذا الحظر بقى ضمن نطاق الإجراءات الدبلوماسية الاعتيادية (كعدم إصدار تأشيرة دخول) ولم يصل إلى تجريمها أومعاقبتها ماليًا.
لتكتمل هزلية المشهد يتزامن هذا مع ترشيح نتنياهو للرئيس ترامب لنيل جائزة نوبل للسلام!، نتنياهو الذى يشرف حاليًا على الإبادة الجماعية للفلسطينيين فى قطاع غزة، اقترح أن تُمنح أرفع جائزة عالمية فى إحلال السلام للشخص الذى يُعد الممكّن الرئيسى لتلك الإبادة! الإحصايات الموثقة تقول أنه منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن، قُتل رسميًا ما يقارب 60 ألف فلسطينى فى قطاع غزة، والمؤكد أن العدد الحقيقى للضحايا أكثر لوجود مفقودين تحت الأنقاض فى القطاع الذى تحول إلى أكوام من رماد وقُتل أكثر من 800 فلسطينى خلال الأسابيع الأخيرة أثناء محاولتهم الحصول على الطعام فى مواقع توزيع المساعدات التى تديرها «مؤسسة غزة الإنسانية»، المدعومة من الولايات المتحدة وإسرائيل.
أصدر مكتب فرانشيسكا ألبانيزى تقارير مفصّلة توثّق جرائم الحرب فى غزة والضفة الغربية، وأدرج أحدث تقاريرها أسماء 48 شركة ومؤسسة، إضافةً إلى بنوك وشركات تأمين وعقارات وجمعيات خيرية، كلّها تنتهك القانون الدولى وتحقّق أرباحًا بمليارات الدولارات من الاحتلال والإبادة الجماعية للفلسطينيين.
من عجائب الزمان أن هذه العقوبات كثيرًا ما تستخدمها الدول ضد منتهكى حقوق الإنسان أو خصومها السياسيين؛ غير أن استخدامها ضد خبير حقوقى تابع للأمم المتحدة يتمتع بحصانات وامتيازات تمكنه من تأدية مهمته يمثل خرقًا للأعراف الدبلوماسية والقانونية المستقرة حيث تنص اتفاقية امتيازات وحصانات الوكالات المتخصصة لعام 1947 على تمتع خبراء المنظمات التابعة للأمم المتحدة، كمجلس حقوق الإنسان، بالحصانة من الإجراءات القانونية أثناء تأدية مهامهم الدولية.
وزير الخارجية ماركو روبيو أدان ألبانيزى واعتبرها غير صالحة لمنصبها كمقرّرة خاصة، متّهمًا إياها بأنها «تروّج لمعاداة السامية بلا خجل، وتدعم الإرهاب، وتُبدى احتقارًا صريحًا للولايات المتحدة وإسرائيل والغرب لدعمها الصريح للمحكمة الجنائية الدولية، والتى فُرضت واشنطن عليها وعلى أربعة من قضاتها عقوبات أميركية العام الماضى لإصدارهم مذكرات اعتقال بحق نتنياهو و وزير دفاعه السابق يؤاف جالانت.
فى رأيى أن الهجوم على ألبانيزى ما هو إلا مجرد زاوية فى صورة أكثر قتامة لعالم غابت فيه أبسط قواعد العدالة عالم تحول تدريجيا إلى غابة يأكل القوى فيها الضعيف وتفرض القوة إرادتها على العدل صورة لعالم بلا قواعد، عالم يُسمح فيه لدول مثل الولايات المتحدة وإسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية دون أى مساءلة أو رادع كل هذا يحدث ولا تزال الولايات المتحدة تحدث العالم ليل نهار عن تعهّداتها بالديمقراطية وحرية التعبير وسيادة القانون وحقوق الإنسان ويتحدث الرئيس الأمريكى عن السلام الذى يسعى إليه, ويطمح إلى نيل جائزة نوبل مقابل سعيه هذا ولا نعرف أى سلام هذا الذى يسعى إليه الرئيس ترامب؟! أى سلام هذا الذى يقف فيه ترامب مع نتنياهو لسحق ضعفاء غزة أى سلام هذا فى عالم يموت فيه الناس جوعى وتمحى بلدات من الوجود فى غمضة عين؟!
أخيرا: عندما يُكتب تاريخ الإبادة الجماعية فى غزة، ستكون فرانشيسكا ألبانيزى المحامية والأكاديمية الإيطالية واحدة من أكثر الأصوات شجاعة ووضوحًا فى عالم فقد صوابه.