يستعد مجلس الشيوخ الأمريكي، الذى يسيطر عليه الجمهوريون، للدخول فى مواجهة سياسية حادة الأسبوع المقبل بشأن خطة مثيرة للجدل تهدف إلى استرجاع مليارات الدولارات من الانفاق الفيدرالى المخصص للمساعدات الخارجية. وتقود هذه الجهود الأغلبية الجمهورية فى المجلس، فى خطوة تعكس توجّهًا متصاعدًا داخل الحزب نحو تقليص الإنفاق الحكومي، لكنها تواجه معارضة متنامية من داخل الصفوف الجمهورية نفسها، ما يهدد بعرقلة المشروع فى مراحله الأولي.
وبحسب تقرير نشره موقع اكسيوس الأمريكي، فإن زعيم الأغلبية الجمهورية فى مجلس الشيوخ، السيناتور جون ثون، يسعى لحشد الأصوات اللازمة لتمرير مشروع القانون، لكنه لا يستطيع تحمل خسارة أكثر من ثلاثة أصوات من حزبه، وهو تحدٍ صعب فى ظل الانقسامات المتزايدة حول بنود المقترح.
أحد أبرز الأصوات الجمهورية المعارضة للخطة هى السيناتور سوزان كولينز، رئيسة لجنة الاعتمادات فى مجلس الشيوخ، التى أعربت عن قلقها البالغ من التخفيضات المقترحة، خاصة تلك التى تمس برامج الصحة العالمية. كولينز شددت خلال جلسة مغلقة على ضرورة احترام العملية السنوية المعتادة لتخصيص الميزانية، مشيرة إلى أن تجاوز هذه الإجراءات قد يضر بالمؤسسات الأمريكية ويقوض المصداقية الدولية للولايات المتحدة، خاصة فى القضايا الصحية العالمية كالأوبئة والمساعدات الطبية الطارئة.
وتعد الولايات المتحدة من أكبر المانحين الدوليين فى مجالات الصحة العالمية، وسبق أن قادت جهود تمويل حملات مكافحة الإيدز والملاريا وبرامج التطعيم حول العالم، من خلال مؤسسات مثل «الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية» و»صندوق الرئيس الأمريكى للإغاثة من الإيدز».
ويرى منتقدو مشروع التخفيض أن المساس بهذه المساعدات سيؤثر على الأمن الصحى العالمي، وبالتالى على الأمن القومى الأمريكى نفسه.
إلى جانب كولينز، عبّر عدد من أعضاء الحزب الجمهورى عن مخاوفهم من تداعيات الخطة، من بينهم السيناتور تود يونج من ولاية إنديانا، وبيل كاسيدى من لويزيانا، وجيرى موران من كانساس. واعتبر بعضهم أن المشروع يرسل إشارات متناقضة بشأن التزام أمريكا بمسئولياتها الدولية، بينما أشار آخرون إلى الأثر الاقتصادى والاجتماعى السلبى لتقليص تمويل برامج الرعاية والمساعدات الخارجية فى المناطق الفقيرة حول العالم.
فى المقابل، أبدى عدد من الجمهوريين دعمًا قويًا للمشروع، واصفين إياه بـ«الخطوة الضرورية لإعادة التوازن إلى الميزانية الفيدرالية». من بين هؤلاء السيناتور إريك شميت، والسيناتور بيل هاجرتي، والسيناتور جون كينيدى الذى صرح للصحافيين قائلاً: «هناك كثيرون يتحدثون عن تقليص الإنفاق، لكنهم لا يتصرفون وفقًا لذلك.. حان وقت الحسم. نحن بحاجة إلى تمرير هذا القانون».
واقترح بعض المؤيدين للخطة استدعاء راسل فويت، مدير مكتب الإدارة والميزانية فى إدارة الرئيس دونالد ترامب، للمثول أمام المجلس والإجابة عن استفسارات الأعضاء بشأن تفاصيل الحزمة المقترحة، فى محاولة لطمأنة المترددين.
من اللافت أن هذه المعركة تجرى فى وقت يتصاعد فيه حضور ترامب فى الساحة السياسية، خاصة مع سعيه للفوز بولاية ثانية فى الانتخابات المقبلة. ترامب الذى لطالما نادى بسياسة «أمريكا أولاً»، سبق أن دعا إلى تجميد أو تقليص المساعدات الخارجية خلال فترة رئاسته، وهو ما تسبّب فى مواجهات قضائية ومعارضة من الكونجرس فى حينه.
ويستند مشروع التخفيضات الحالى إلى ما يُعرف إعلاميًا بـ«القانون الجميل والكبير»، وهو نسخة موسّعة من قانون ترامب لخفض الضرائب لعام 2017 يتضمن المشروع خفضًا ضخمًا يبلغ حوالى 930 مليار دولار، تشمل تقليص التمويل لبرنامج «ميدك إيد» للرعاية الصحية، والمساعدات الغذائية للفئات ذات الدخل المنخفض، وإلغاء العديد من الحوافز التى أُقرت فى عهد الرئيــــس الديمقــــراطى جو بايدن لدعم الطاقة المتجددة.
الخطوة الجديدة تُثير مخاوف دولية كذلك، إذ تعتمد العديد من الدول النامية على الدعم الأمريكى فى مجالات الصحة، والتنمية، والمساعدات الطارئة. تقارير من مجلس العلاقات الخارجية ومركز التنمية العالمية أشارت إلى أن تقليص هذا الدعم قد يتسبب فى اضطرابات فى مناطق هشة مثل القرن الإفريقى وأجزاء من جنوب آسيا، حيث تساهم واشنطن بتمويل برامج لمكافحة سوء التغذية والأمراض المزمنة وتوفير مياه الشرب.
وقال ستيوارت باتريك، الباحث فى مركزالمساعدات الأمريكية ان تلك المنح ليست عملاً خيريًا فقط، بل أداة استراتيجية تخدم الأمن القومى الأمريكى وتحد من التطرف والهجرة غير النظامية.
لا تزال نتيجة التصويت على مشروع القانون غير محسومة، فى ظل حسابات سياسية دقيقة يواجهها قادة الجمهوريين. فبينما يسعى الجناح المحافظ إلى تحقيق وعود تقليص الإنفاق، يرى آخرون أن المساس ببرامج إنسانية وصحية دولية قد يكلّف الولايات المتحدة أكثر مما يوفره.ومن المنتظر أن يشهد الأسبوع المقبل جلسات صاخبة فى مجلس الشيوخ، قد ترسم ملامح جديدة لتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الرئاسية، وعودة ترامب إلى الواجهة السياسية بقوة.