من المبكر جدا الوصول إلى تحليل نهائى أو نتائج حاسمة للحرب التى شنتها قبل أيام إسرائيل على إيران، خاصة وأن رد الفعل الإيرانى لم يكن «هينا» وشنت طهران هجمات صاروخية بالغة التأثير على مناطق واسعة فى تل أبيب ومدن اسرائيلية أخرى تمخض عنها العديد من الخسائر البشرية والمادية لم تكن لتحدث لولا قصر نظر الحكومة الإسرائيلية وصمت أمريكا والمجتمع الدولى عن صلف وغرور رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو، وتعمده إشعال حروب متتالية تحت مزاعم» حق اسرائيل فى الدفاع عن نفسها «، بينما واقع الحال يشير إلى أن هذا الحق أراد به باطلا يتجسد فى مواصلة احتلال الأراضى الفلسطينية وتدمير قطاع غزة وتهجير سكانه والتوغل فى الأراضى السورية واللبنانية ثم إشعال الحرب ضد إيران ، فى خطوة واسعة تهدد بنشوب حرب إقليمية شاملة ومتغيرات دراماتيكية خطيرة بالمنطقة.
>>>
ولكن وحتى نكون واقعيين فإن إحدى النتائج المهمة والقريبة التى جلبها الهجوم الإسرائيلى على إيران ، هى سقوط نظرية الأمن الإسرائيلى، هذه النظرية التى بنتها الحكومات الإسرائيلية السابقة على مراحل وبعد تجارب عديدة لعل أهمها تجربة حرب اكتوبر 1973، فقد سبق هذه الحرب نفس السلوك الإسرائيلى فى المنطقة بعد الهزيمة الخاطفة التى الحقتها بمصر ودول المواجهة فى الخامس من يونيو عام 1967 بما فيها احتلال نحو 100 ألف كيلومتر مربع فى سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية والجولان السورى، وقد أدت هذه النتائج إلى المزيد من غرور إسرائيل وأصبحت تتغنى بذراعها الطولى ممثلا فى القوات الجوية، وبجيش الاحتلال الذى لا يقهر، وبالدعم الأمريكى والغربى الذى يستحيل معه استعادة العرب لأراضيهم أو إلى أوضاع ما قبل حرب يونيو .
>>>
لقد شعرت إسرائيل «آنذاك» أن وجود قناة السويس وإقامة ساتر ترابى بارتفاع يصل إلى 20 مترا، ثم بناء خط بارليف الحصين الذى يضم 23 نقطة حصينة على امتداد الضفة الشرقية للقناة ، يشكل عوائق مستحيلة ما جعل قادة الدولة العبرية يتفاخرون بما حققوه على الأرض من احتلال أراض عربية تضمن أمن إسرائيل عقود طويلة، غير أن مفاجأة مصر بشن حرب أكتوبر 73 وما أسفرت عنه من نتائج مبهرة قلبت الموازين وأجبرت تل أبيب على إعادة النظر فى مفاهيم الأمن لديها بزيادة الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية والقبول بوقف الحرب ثم الدخول فى مفاوضات دبلوماسية طويلة أسفرت عن توقيع معاهدة السلام عام 1979 وإنهاء الإحتلال الإسرائيلى من كل سيناء، والبقاء فقط خلف الخطوط التى حددتها المعاهدة دون أى تجاوز أو اعتداء.
>>>
هذه الحقائق لابد أن تعرفها جيدا الأجيال الجديدة ممن لم تعش مراحل مهمة من الصراع العربي- الإسرائيلى والتى خفف من شدتها معاهدة السلام مع مصر ثم معاهدتى السلام مع كل من الأردن والسلطة الفلسطينية وشعور الإسرائيليين بعدها وعلى مدار عقود بالأمن والأمان ، وهو ما أحدث تحولا كبيرا فى نظرية الأمن الإسرائيلية- فى هذا الوقت- بالاعتماد على السلام ومواصلة مفاوضات الحل النهائى مع السلطة الفلسطينية مع استمرار العلاقة التحالفية مع أمريكا ، ولكن مستجدات المنطقة وغزو أمريكا لأفغانستان والعراق وظهور عدد كبير من المتطرفين السياسيين الإسرائيليين ومن بينهم «نتنياهو» أعاد الأمور إلى المربع الأول، وأعاد أطماع الكيان الصهيونى فى الأراضى الفلسطينية وفى سوريا ولبنان ، ثم شن حرب ضد إيران لفرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة وتحقيق الحلم الصهيونى بإقامة إسرائيل الكبرى من الفرات إلى النيل.
>>>
اللافت هنا أنه ورغم ما تزعمه إسرائيل من السيطرة على سماء طهران وأنها فى طريقها لتدمير منصات الصواريخ وحرمان إيران من برنامجها النووى، إلا أن المؤشرات الأولى للحرب الإسرائيلية ضد إيران، تؤكد أنها جاءت فى غير صالح الكيان الصهيونى، وأن ضرب إيران لأهداف فى أوساط المدنيين فى العاصمة تل أبيب ويافا وحيفا واللد وغيرها من المدن الإسرائيلية، وسقوط مئات القتلى والجرحى فضلا عن تدمير مئات المبانى والمنشآت الحيوية فى إسرائيل، كل ذلك يعنى انهيار نظرية الأمن الإسرائيلى وكشف سوءات الحكومة وتراجع دور الكنيست وأحزاب المعارضة ومنح الفرصة لنتنياهو لفرض عقده وفساده السياسى على مستقبل إسرائيل، التى فقدت السلام إلى الأبد وباتت دولة متورطة فى جرائم الحرب وانتهاك حقوق الانسان وتهديد الأمن والسلم الدوليين.
>>>
هذه القراءة السريعة تعنى أن المرحلة الراهنة تتطلب من المصريين جميعا الانتباه لكل ما يدور حولهم من إفتعال حروب وأزمات الغرض منها محاصرة مصر اقتصاديا وتوريطها فى حرب إقليمية تستهدف إضعاف الجيش المصرى، باعتباره أحد أقوى الجيوش فى المنطقة والعالم ، المطلوب أيضا استدعاء روح أكتوبر لمواجهة أية تطورات إقليمية وكذلك مواصلة هذه الحالة من الوعى الوطنى التى تجسدت فى ثورة 30 يونيو 2013، وكانت أحد الأسباب المهمة فى التصدى لأسوأ مخططات السقوط فى التاريخ.. وللحديث بقية.