نحن فى هذه «الدائرة المفرغة» منذ عقود.. أمريكا تريد سلامًا على مقاس الكيان الصهيونى.. وإسرائيل تريد سلامًا «وهميًا» لا تعيد من خلاله الأراضى العربية التى استولت عليها.. والعرب ينتظرون السلام الذى تقره الأمم المتحدة رغم علمهم انها لن تقدرعلى تنفيذه.. هذه الدائرة من المتناقضات حولت الوضع فى الشرق الاوسط إلى أسوأ ما كان عليه عقب نكبة 1948 أو هزيمة 1967، وجعلت الشعور بالحرب قريب جدًا ليس فقط لأن إسرائيل تعربد فى المنطقة دون أن يمنعها أحد، ولكن لأن الدولة العبرية ومن وجهة نظر إسرائيلية «فقدت أخلاقها وإنسانيتها، بعدما دمرت قطاع غزة وتركت سكانه يموتون جوعى»، ولأن بعض الإسرائيليين باتوا يشعرون بالخجل والذنب مما تفعله حكومة نتنياهو من جرائم إنسانية فى سكان غزة المدنيين».
>>>
وحقيقة فإن وجهة نظر أولئك الإسرائيليين تشكل آراء من لايؤخذ برأيهم، لأن غالبية عناصر جيش الاحتلال من المجرمين الجدد الذين يتفاخرون بكراهيتهم للعرب وتتفق سلوكياتهم مع توجهات الحكومة بتنفيذ كل أشكال العنف ضد الفلسطينيين وإبادة سكان غزة، يثبت ذلك المشاهد المتتالية من القصف الصاروخى والمدفعى وتحويل القطاع إلى ما يشبه «الأرض المحروقة» التى يستحيل العيش فيها، أيضا ما يحدث فى مراكز توزيع الغذاء بالقطاع يندى له جبين الإنسانية، فبعض جنود الاحتلال يطلق النار على سكان غزة الجوعى قبل أن يمنحوهم أى مساعدات، والبعض الآخر يهددون السكان بالموت أو الانصياع للأوامر التى تصل إلى التعرى من ملابسهم، والانتقال من شمال القطاع إلى جنوبه وإخلاء بعض المناطق، غير أن الصدمة الأكبر تأتى بعد تنفيذ الأوامر حيث يتفاجأ الأهالى بالمزيد من الحصار والإذلال والتجويع.
>>>
أزمة إسرائيل الآن، هى هذا الانقسام المجتمعى الواضح.. فالمنتمون للتيار المتشدد والذى يتزعمه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، يرون أن الوضع فى المنطقة العربية حاليًا وبما يشهده من أزمات فى بعض الدول، ومن سقوط بعض جيوش المنطقة يشكل فرصة للتوسع وتحقيق حلم إسرائيل الكبرى، هذا التيار تؤيده الأجيال الجديدة التى ولدت فى الأراضى الفلسطينية المحتلة، واعتبرت نفسها هى صاحبة الأرض ولها مزية استغلالها وإقامة المستوطنات عليها، ومن ثم فلا مانع من تهجير الفلسطينيين وابادتهم، دون الالتفات لرفض المجتمع الدولى.. فالأمر المهم لدى هؤلاء هو الدعم الأمريكى الدائم والمستمر لإسرائيل.
>>>
فى المقابل، هناك قطاع كبير من الإسرائيليين يرون أنهم نشأوا فى ظل معتقدات أساسية من بينها الديمقراطية والمساواة بين جميع الإسرائيليين فى الحقوق والواجبات، غير أن خريطة الدولة العبرية فى المرحلة الحالية تكشف عن غياب الديمقراطية على الأقل على مستوى اتخاذ القرارات، كذلك ما اثبتته الأحداث الداخلية من وجود فوارق حقيقية بين جنسيات بعينها وتيارات معارضة تريد من يسمع صوتها بما فى ذلك رغبتها فى السلام انطلاقا من أن اتفاقات السلام التى وقعتها إسرائيل مع مصر والأردن والسلطة الفلسطينية حققت المنشود منها فى توفير الأمن والأمان، وأن عملية « طوفان الأقصى» التى نفذتها المقاومة الفلسطينية فى غزة ورغم الخسائر الكبيرة التى تسببت فيها إلا أنها تظل استثنائية ولا يحق لإسرائيل أن تشن بسببها حرب إبادة ضد سكان القطاع أو أن تفقد سمعتها الدولية والأخلاقية.
>>>
نأتى بعد ذلك لعالمنا العربى ونظرته لإسرائيل التى تتناقض أحيانا فى ظل متغيرات إقليمية ودولية وفى ظل تصاعد لغة المصالح، فى حين أن نفس هذه اللغة تعنى أن مصلحة العرب الأساسية مرهونة بحل القضية الفلسطينية وبالالتزام بما جاء فى المبادرة العربية الموقعة عام 2002، وما تضمنته من أن السلام مع إسرائيل مرتبط باعادتها للحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى وإقامة دولته المستقلة على حدود 4 يونيو عام 1967، أيضًا ما يعلمه العرب عن «خبث» وتآمر إسرائيل وضلوعها فى مخطط تقسيم المنطقة وتفتيت الدول العربية، فهذا المخطط فى حد ذاته يستدعى مزيداً من الوعى والحرص فى التعامل مع الكيان الصهيونى، الذى كان شريكا أساسيا فى أحداث ما يسمى الربيع العربى فى العقد الماضى وتورطه إلى جانب تنظيم الإخوان الإرهابى وتنظيمات متشددة أخرى فى إثارة الفوضى ونشر التطرف وصناعة التنظيمات الإرهابية فى الدول المراد تدميرها أو تفكيكها.
>>>
من هذا المنطلق، وفى ظل الذكرى الــ «58» لحرب 1967 وما أفرزته من نتائج سلبية نعانى منها حتى وقتنا الحالى، فإن العالم العربى مطالب بدراسة جديدة بفكرجديد للصراع العربى – الإسرائيلى وكيف تعمدت القوى الغربية زراعة الكيان الصهيونى فى فلسطين وفى قلب المنطقة العربية لمنع وحدة العرب واستنزاف ثرواتهم، كذلك كيف يمكن للعرب التصدى لأطماع إسرائيل فى فلسطين وسوريا ولبنان و«إنقاذ ما يمكن إنقاذه» قبل فوات الأوان.