الضباب الكثيف الذى يغطى الأجواء ويحجب الرؤية أمام الجميع ويجعل اللا يقين هو اليقين الوحيد، هذه الكتل الضبابية تجعل إعمال العقل شيئاً من الجنون، وتصنع من الشائعات أدق التقارير السرية، وتعتمد على أنصاف المفكرين ليصلوا إلى أنصاف الحلول، وسط كل هذا «الغياب»، غياب الحقيقة والفكرة والمفكرين تشتد الأزمة، أزمة الوعي، فالوعى الذى نراه كثيرا لا يزيد على كونه وعيا زائفا، معلومات مغلوطة وبيانات مضروبة تقودنا الى حالة من المعرفة المهلكة التى تقودنا إلى مصائر حذرنا منها التاريخ، أقول هذا ونحن نمر بمرحلة وصفناها كثيرا بأنها دقيقة ومعقدة، لقد تابعت كما تابع الكثيرون مثلى أحداث المنطقة المشتعلة فى كل الاتجاهات، توقفت بالطبع عند الملف الفلسطينى وتفاعلاته ومعضلاته التى تحتاج إلى فهم خوارزميات صنعت خصيصا له، البداية كانت تصريحات خليل الحية والذى أعلن فيها استعداد حماس للتخلى عن مشروعها وتسليم سلاحها وتغيير جلدها من حركة مقاومة إلى حزب سياسى كل هذا شريطة قيام دولة فلسطينية على حدود 67، الحية لم يوضح هل قيام الدولة هو الاعتراف بها دوليا؟ أم قيامها وتأسيسها وتنفيذ التعهدات الخاصة بالحدود واللاجئين والمياه والقدس إلخ؟ فى نفس اليوم تابعت خبر وصول وفدين فلسطينيين أحدهما من حماس والآخر من فتح إلى العاصمة الصينية بكين لمناقشة بنود المصالحة الفلسطينية الفلسطينية برعاية صينية، هنا تذكرت كل اللقاءات التى احتضنتها القاهرة والتى زاد عددها على 20 جولة ثم جولات السعودية والجزائر وتركيا وغيرها، أيقنت أن هناك حلقة مفقودة لا اعرفها وتفسيرها لدى الفلسطينيين انفسهم دون غيرهم، لكن لفت انتباهى ان يوم وصول وفدى فتح وحماس هو نفس يوم وصول وزير الخارجية الأمريكى أنطونى بلينكن إلى بكين، فهل هناك رابط بين الزيارتين؟ ثم فى نفس اليوم اجتمع مجلس الحرب الاسرائيلى ليعلن ان عملية رفح جاهزة وفى انتظار الضوء الأخضر من الحكومة، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى يمارسون ضغطا شكليا على إسرائيل ألا تفعل وفى نفس الوقت يمررون 26 ملياراً مساعدات أمريكية لإسرائيل، وسط هذا الضباب وهذا التناقض نرى شمس مصر لا تغيب أبدا عن كل قضايا المنطقة خاصة القضية الفلسطينية، مصر التى تحتفل بعيد التحرير يخرج رئيسها بخطاب ذى مغزى تاريخى فى هذه المناسبة الوطنية، يجدد فيها موقف مصر الراسخ تجاه الحقوق الفلسطينية التاريخية وهى إقامة دولة مستقلة عاصمتها القدس الشرقية على حدود ما قبل 67، الرئيس يؤكد أن مصر ترفض كل محاولات تصفية القضية بتهجير الفلسطينيين إلى خارج أراضيهم سواء إلى سيناء أو أى مكان آخر، لقد حدد الرئيس الخطوط الحمراء مجددا وهو يحتفل مع شعبه بعيد النصر فهل وصلت الرسالة؟!