تشهد الساحة الإعلامية فى مصر خلال السنوات الأخيرة، انتشاراً واسعاً لبرامج «المقالب» السخيفة، التى تعتمد على وضع الضيوف فى مواقف صادمة أو محرجة بهدف تصوير ردود أفعالهم، ثم استغلالها لتحقيق نسب مشاهدة عالية.. ويبرر منتجو هذه البرامج موقفهم بأنها تقدم مادة ترفيهية للمشاهد، بينما الواقع يعكس تجاوزات عديدة، واستغلالاً واضحاً للضيوف والمشاهدين على حد سواء، مع غياب الالتزام بأبسط أصول التعامل الاجتماعى الراقى والمتحضر.
تعتمد هذه البرامج على عنصر المفاجأة، لكنها تتجاوز أحياناً حدود المرح البريء إلى إثارة التوتر أو الإحراج فى نفوس الضحايا، الذين كثيراً ما يتعرضون لمواقف تتسم بالعنف النفسى نتيجة للغضب والإحساس بالإهانة، ومحاولة كبت مشاعر الرد على الإساءة أو التحدي.. وغالباً ما يكون ضيوف هذه البرامج من النجوم والمشاهير فى مجالات الفن أو الرياضة أو الشخصيات المرموقة، لضمان ارتفاع نسبة المشاهدة وتحقيق أرباح مالية مرتفعة، وهؤلاء المشاهير يدركون أنهم أمام الكاميرا، ويعون أن هناك العديد من جمهورهم يشاهدهم، مما يدفعهم لمحاولة الحفاظ على صورتهم أمامه.
إن انتشار ثقافة السخرية من الآخرين، واستغلال الرغبة فى الانتشار الإعلامي، يثير العديد من التساؤلات حول مدى أخلاقية هذه البرامج، وتأثيرها على الصحة النفسية للضيوف والمشاهدين، فضلاً عن ابتعادها عن تقديم محتوى إعلامى هادف.. كما أن تأثيرها السلبى على فئة المراهقين والشباب، الذين بطبيعتهم يستهويهم المرح والترفيه، يثير القلق، إذ يصعب التنبؤ بمدى تأثرهم بمشاهد العنف اللفظى والجسدى التى تتخلل بعض هذه الحلقات، وهل يمكن أن تعمّق لديهم ميول العنف والتنمر؟
لم تَعُد «المقالب» السخيفة مقتصرة على شاشات التليفزيون، بل انتقلت بقوة إلى منصات الإنترنت، حيث أصبح بعض صُنّاع المحتوى يتفنّنون فى ابتكار مقالب صادمة، غالباً على حساب الآخرين، لتحقيق الانتشار السريع وزيادة المشاهدات.. وانتشار هذا النوع من المحتوى يطرح تساؤلات جدية حول الحدود الأخلاقية للمقالب الرقمية أيضاً، خاصة أن بعض مقاطع المقالب على الإنترنت تتجاوز حدود الدعابة، لتتحول إلى أشكال من التنمر العلني.
إحدى أخطر المشكلات الناجمة عن مقالب الإنترنت هى أن المشاهدين من الأطفال والمراهقين قد يحاولون تقليدها دون إدراك خطورتها، وقد سمعنا عن حالات انتهت بإصابات خطيرة بسبب تقليد مقالب غير محسوبة العواقب، وهذا يطرح تساؤلاً حول مسئولية المنصات الرقمية فى مراقبة المحتوى ومنع انتشار المقالب التى قد تعرّض حياة الناس للخطر.. فعلى عكس البرامج التليفزيونية التى قد تواجه رقابة قانونية أو انتقادات جماهيرية، فإن الإنترنت يُعدّ مساحة مفتوحة، يصعب ضبط المحتوى فيها.. ورغم أن بعض المنصات تفرض سياسات ضد المحتوى المؤذي، فإن هناك من يصرّ على الترويج لهذا النوع من الفيديوهات بسبب ارتفاع معدلات التفاعل عليها
للأسف لايوجد قانون محدد لمحاسبة من يقوم بهذه الأعمال الهابطة.. ولكن القوانين العامة تحمى الأفراد من الإهانة والتنمر والاستغلال ومن الممكن تطبيقها على من يستحق العقاب.. كما أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لدية سلطة إيقاف المخالف منها.. كما يمكن تطبيق قانون الجرائم الإلكترونية على المحتوى الذى يضر ويعرض من خلال الإنترنت أو الشاشات الأخري.
أعتقد أن ظاهرة برامج المقالب السخيفة ما هو الى تعبير صريح لسذاجة فكر وتوجه إعلامى يفتقر الى الجدية والرغبة فى التميز أو الإبداع ولابد أن يتم التعامل معها بحزم وجدية.