عندما تختلط «فضائل الصبر الجميل» برذائل «الانتظار اللعين» تتحول الحياة إلى جحيم، وسط اصطفاف مزيف وحناجر مرتفعة وأبصار شاخصة وقلوب سقيمة وأحلام كبيرة وأعمال قليلة، هنا لا بد من التفرقة بين ما هو فضيلة وما هو رذيلة، فالصبر سلاح الأقوياء والانتظار الأجوف هو مطية الضعفاء، بيد أنى لا أتمتع بفضيلة «الانتظار الهادئ» أو العاقل، فانتظارى مزيج من القلق والأرق.
الانتظار يؤلمنى دائماً، ويزعج القريبين منى أحياناً، فالعجلة والاستعجال والاندفاع هى من مظاهر الرغبة الجارفة فى تحقيق الأحلام وتنفيذ الوعود الجمعية. أشعر أن «الانتظار الهادئ» رفاهية لا يتحملها المشهد العام الآن، فالتحديات الضخمة تحتاج إلى أعمال عاجلة ودقيقة وعظيمة، النجاح لا يذهب لأحد ويطرق بابه منتظراً الدخول، المبادرون هم الرابحون دائماً، أما المنتظرون فسيستمرون فى ساحات الانتظار يتسكعون ويتسولون، والفرص نادرة ولن يقتنصها إلا هؤلاء النابهون المنتبهون الذين ينامون وإحدى أعينهم مفتوحة دائماً. إن «نادى المنتظرين» لن يخرج منه أبطال يرفعون الرايات، فمن يَركَن يُركَن، ومن ينتظر لن ينتصر. ومن الجانب الآخر دائماً ما أستشعر أن وريقات العمر تتهاوى تباعاً ونحن فى غفلة معرضون، فهل خُلقنا فقط لنمارس طقوس البشر العادية ونرحل؟ وهل هذه الحالة أو السلوك أو الطبيعة الشخصية ضد فضائل «الصبر» و»التوكل» و»الإيمان بالقدر» و»عدم العجلة» و»الروية»؟ فى تقديرى أننى أؤمن إيماناً مطلقاً بهذه الفضائل وأمارسها يقيناً، لكننى أنظر إلى الأمر من زوايا أخري، أهمها شيوع فكر «التواكل» والخلط المدمر بينه وبين «التوكل»، انتشار سلوكيات تقتل الأحلام وتضرب معانى دافع الإنجاز فى الصميم. أنا أكره الانتظار وأكره سلوكيات المنتظرين الذين يمارسون أسوأ الطقوس البشرية فى الانتظار إلى ما لا نهاية دون أن يكون لهم فعل أو مشاركة فى تحقيق ما ينتظرونه. عندما أستمع إلى أحدهم وهو يقول «ربنا يسهل» أو «ربنا يرزق» أو «منتظرين الفرج»، فى البداية كنت أشعر بمسحة إيمانية لدى هؤلاء المتوكلين المؤمنين الموصولين بربهم، لكن ومع الاطلاع على سلوكيات ومساهمات هؤلاء وأعمالهم وإنجازاتهم وطريقة إدارتهم لأمورهم، تتبدد مدلولات نظرتى الأولى لهؤلاء، يجلس أحدهم بلا تفكير أو تغيير أو تدبير، ولا يحرك ساكناً، ويرفع أكف الضراعة ويطلق العبارات التى لا يحب التفكير فيها، فأنَّى يستجاب له؟!
المجتمع بثقافاته المتراكمة وزخمه وإرهاصاته الحالية فقد أهم ملامحه الحضارية، وهى الحيوية والحركة الدؤوبة والقدرة على الإنجاز من رحم الإنجاز.
إن الجميع ينتظر وفقط! ربما لا يعرف الكثيرون ماذا ولماذا ينتظرون؟ فقط يفعلون، مثلما يمر أحدهم ويجد طابوراً طويلاً فيقرر دون أن يسأل أن يقف فى هذا الطابور وينتظر وينتظر ويدعو ربه ويرفع أكف الضراعة ويقول «يا رب سهّل»، رغم أنه لا يعرف لماذا وقف هؤلاء فى هذا الطابور ولم يسأل أيضاً. إنها ثقافة انتظار من لن يأتى اطلاقاً، كمن تنتظر عودة ضناها الذى استشهد أو توفاه الله بعدما غلبها حنين الأم وحرق قلبها الفراق وتأثرت حالتها النفسية، والشيعة الذين ينتظرون ظهور المهدى المنتظر.. كل هؤلاء يجمعهم الاستسلام لممارسة رذيلة الانتظار الملعون إلى ما لا نهاية وإلى ما لن يتحقق.
فقط يمارس هؤلاء طقوساً تريحهم نفسياً «بأنهم عملوا اللى عليهم» وينتظرون أن تمطر السماء ذهباً أو فضة رغم إيمانهم بأنها لم ولن تفعل.
أنا أكره الانتظار، وأبحث عن ضرب مبادئه وثوابته فى مقتل، لذلك أصرخ وأقول: لن أنتظر كثيراً، سأعمل على تغيير مسببات الانتظار، فإرادتى المتفائلة قطعاً ستتغلب على نوازع سلبية تدعو إلى الاحباط، أنظر دوماً إلى استعجال الرئيس فى إنجاز المشروعات فى أسرع وقت ممكن بعيداً عن الأطر الزمنية المتعارف عليها، إنه يسابق الزمن، فليس لدينا بحبوحة من الوقت ننفقها فى تدليل الآخرين، ليس لدينا رفاهية الوقت، ومن ثم لا مكان للانتظار حتى ولو كان مبرراً.