معلوم طبعًا أن قمة الثماني النامية كان موعد انعقادها محددًا سلفًا، لكن القضية ليست في الموعد وإنما في مستوى الحضور الرفيع الذي لم يكن من السهل أن يتحقق في هذا الظرف الإقليمي الصعب لأن الدولة المضيفة «مصر» لها مكانتها وتقديرها عند الدول الأعضاء، فالقاهرة هي التي صنعت الزخم والنجاح الكبير للمؤتمر ورسالته الواضحة، وقد ظهر هذا في كلمات رؤساء الدول والحكومات المشاركين الذين أثنوا على دور مصر وقيادتها وثمنوا مواقفها وأكدوا أنهم يراهنون على رئاستها للمجموعة خلال الفترة القادمة لتحقيق طموحاتهم.
هذا هو نتاج السياسة العاقلة، والرؤية الحكيمة التي تتسم بها الدولة المصرية وقدرتها على إدارة علاقاتها الخارجية المختلفة بتوازن عبقرى ووفق ثوابت قائمة على الاحترام والتعاون من أجل التنمية وخدمة الشعوب والحوار الجاد وليس الصراع.
المشهد في العاصمة الإدارية الجديدة حيث انعقدت القمة، بجانب أنه كان مبهرًا لروعة مقر الاجتماعات في القصر الرئاسي الذي يليق بحضارة وعظمة مصر، كان معيرًا أيضًا عن دولة محورية في إقليمها تمثل ملتقى الجميع، وقيادة قادرة على جمع القوى المختلفة في توقيت صعب، وطرح القضايا الملحة والتي تحتاج فعلًا توافقاً، وكان قرار القاهرة بإضافة جلسة للقمة عن الأوضاع في غزة ولبنان فكرة مهمة لأنه لم يكن طبيعيًا أن تتعقد قمة الثمانية بالقاهرة وبهذا الحضور الكبير وفى هذا الظرف العصيب دون أن تناقش ما يحدث في المنطقة وتقدم رؤيتها حوله وتخاطب المجتمع الدولى بالتحرك لإنقاذ الأبرياء.
والثابت أن هذه القمة حققت مكاسب عديدة لا يمكن تغافلها أو تجاهلها بل أنها تعكس صواب الرؤية المصرية في التعامل مع هذه التكتلات والتجمعات.
أول المكاسب: إن المجموعة D8 تمثل مساحة جديدة تتحرك من خلالها مصر على كافة المستويات في إطار رؤيتها بتنويع علاقاتها وفتح مجالات تعاون مختلفة سياسية، واقتصادية وتجارية مع كافة القوى الاقليمية والدولية، فدول المجموعة يتجاوز عدد سكانها المليار نسمة أى ما يوازى ما يزيد على 16 بالمائة من القوى البشرية في العالم، كما أن الناتج القومي الاجمالي للدول الثمانية يتجاوز سنويًا 5 تريليونات دولار وهو ما يعطى قوة للتعاون الاقتصادي فيما بينها.
الثاني: إن وجود هذا العدد من قادة الدول وتوجيه رسالة الدعم الفلسطين ولبنان من قلب القاهرة له معنى كبير وتأكيد على الرفض الدولى للجرائم الإسرائيلية ومساندة حقوق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، واللبنانيين في استقلال وسيادة أراضيهم.
الثالث: إن تعبير كل الدول المشاركة عن التأييد والمساندة للموقف المصرى بشأن فلسطين يعطى قوة جديدة ويدعم القاهرة في تحركاتها وفرض ثوابتها الواضحة، لا تهجير ولا تصفية ولا حل للقضية إلا بقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة على حدود الرابع من يونيو 67 وعاصمتها القدس الشرقية وقد استثمرت مصر هذا التجمع لتعلن من جديد وتكرر تحذيراتها من خطورة التصعيد وتوسيع رقعة الصراع التي ستطال نيرانه الجميع، كما أكدت على أن حق العودة لا يسقط بالتقادم وهو ما يستحق التأكيد عليه.
الرابع: التعويل والرهان من قادة المجموعة على مصر في رئاستها خلال الفترة القادمة لتنفيذ الطموحات التي تم التوافق عليها أمر يعكس رؤيتهم لقوة وقدرة الدولة المصرية ومهارة قيادتها متمثلة في الرئيس السيسي في التعبير عن طموحات شعوبهم والدفاع عن مصالحهم كدول نامية تبحث عن صوت قوى لها وسط القوى العظمى، ومصر مؤهلة لهذا وتم تأكيد ذلك خلال فترة رئاستها للاتحاد الإفريقي والزخم الكبير الذي شهدته إفريقيا في هذه الفترة والإنجازات التي تحققت على مستوى القارة.
المؤكد أن مصر كعادتها استعدت جيدًا لانعقاد القمة ووضعت رؤية ستعمل على تنفيذها خلال رئاسة المجموعة عبر عدد من المبادرات التي تستهدف دعم التعاون الاقتصادي والتجاري المشترك، وكذلك مساندة استراتيجيات تمكين الشباب.
والأهم أن القاهرة عادت من جديد، حاضرة دائمًا وبقوة في المناسبات الكبرى، ومصدر نجاح لكل حدث تستضيفه، في كافة المجالات وخاصة الاقتصادى السياسي، فدائمًا هي سباقة بالتحرك وقادرة على حشد القوى الدولية والإقليمية ومختلفة في طرح الأفكار، وفي قمة الثماني كان الاختيار المصرى للشباب كعنوان رئيسى مقنعًا للجميع لأن الشباب هم المستقبل الذي يتحرك كل القادة والدول من أجل تأمينه، والشباب هم الأساس في أي تنمية، وللأسف بدلا من الاستثمار في الشباب للمستقبل حولناهم إلى وقود للحروب يسقطون ضحايا ما بين موتى ومصابين.
في النهاية إذا كان قادة الدول الثماني قد راهنوا على مصر لأنهم يعلمون جيدًا قدراتها وإمكاناتها وحكمة قيادتها، فمصر ستكون كعادتها عند حسن الظن بها ووعدها بدورة مختلفة للمجموعة تتحقق خلالها الأهداف التي تم التوافق عليها.