الزمان.. المكان.. الشكل.. المضمون.. كل ذلك «وغيره» يشير بكل قوة إلى «عبقرية الرسالة».. الرسالة التى بعثت بها مصر والمصريون بطريقة مذهلة فى أول أيام عيد الفطر المبارك.. وبالتحديد عقب أداء صلاة العيد.. رسالة عميقة ومدوية وعابرة إلى كافة الإتجاهات.. «فلسطين.. قضية مصرية».. لا لتهجير شعبنا الفلسطيني.. ولالتصفية «القضية».. المشهد كان مهيبا حقا.. حناجر الملايين التى هللت ومآذن المساجد التى صدحت «الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله الله أكبر الله أكبر ولله الحمد».. فى أرجاء أرض الكنانة.. هذه الملايين ما إن انتهت من «تكبيرات العيد» إلاوهرعت تطلق رسالتها المزلزلة والتى لخصتها وركزتها وجمعتها وعبرت عنها إحدى اللافتات التى حملها أحد المصلين المشاركين فى أحد الحشود والتى كتب عليها «عيدنا فلسطيني».. نعـم مصــر عيدهــا «فلسطيني» .. ما أروع وما أعظم وما أدق وما أشمل وأجمل هذه العبارة أو «هذه الرسالة».. مساجد مصر تلبى نداء الأقصى المبارك.. أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى حبيبنا محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. فإذا كان مائة وعشرون ألف فلسطينى تحدوا «جحافل الإحتلال الإسرائيلي» وأدوا صلاة العيد فى ساحات المسجد المبارك معلنين الثبات على الأرض والدفاع عن العرض والحفاظ على الهوية.. فها هى مصر وشعبها «فى يوم العيد» يعلنون ويؤكدون صراحة دعمهم وتأييدهم ووقوفهم بجانب «نداء الأقصي».. نداء الأرض والعرض.. نداء القضية والهوية.. كان المشهد مهيبا.. والرسالة «عبقرية»حقا.. فى يوم العيد.. تؤكد مصر ويؤكد المصريون «فى الداخل والخارج» أننا.. لن ننسى فلسطين.. لن نمرر مخطط التهجير.. لن نسمح بتصفية القضية.. نقف خلف الرئيس عبدالفتاح السيسى فى الدفاع عن «قضية الأمة» الأولي.. نحن متضامنون مع أهلنا فى غزة والضفة وجميع الأراضى المحتلة.. كان لافتا أن العبارة أو الشعار أو الأنشودة التى علت نبرتها ودويها بين هذه الحشود المصرية المليونية كانت «أنا دمى فلسطيني».. المشهد «مهيب» والرسالة «عبقرية»!!.. كل هتاف وكل لافتة وكل كلمة صدرت عن «حشود العيد المليونية» كانت دقيقة ومعبرة ومنتقاة «وموجهة لأهدافها».. من بين ما تضمنته الرسالة المصرية المليونية.. «إحنا فى ظهرك ياريس.. لا للتهجير.. غزة رمز العزة.. غزة رمز الصمود.. غزة مش للبيع.. متضامنون مع أهل غزة».. لقد «أبدع» المصريون فى «رسالة عيد الفطر المبارك».. الرسالة بالتأكيد وصلت إلى كل من يهمه الأمر فى الإقليم وخارج الإقليم.. مصر على قلب رجل واحد خلف قائدها دفاعا عن فلسطين ورفضا لمخطط التصفية والتهجير.. إنها مصر.. مصر المبهرة والمذهلة والمزلزلة.. كانت وستظل إن شاء الله سبحانه وتعالي.. مصر «القوة الكامنة» التى لا تكشف عن كامل إمكاناتها إلا عند تحديات «اللحظة الحرجة»!!.. أكرر وأؤكد أن ما بعثت به مصر والمصريون بعد صلاة عيد الفطر المبارك.. كان مشهداً «مهيباً» ورسالة «عبقرية».
الحشود المليونية.. «إبداع» فى لحظة تحد ومظهر للقوة الكامنة
من «هنا».. انطلقت أول كتائب الدفاع عن فلسطين الشعب والقضية
جمال حمدان يرصد بالتاريخ والجغرافيا «كلمة السر» فى عبارة «أنا دمى فلسطينى»
ما فعلته مصر والمصريون.. يوم العيد.. من قلب المساجد.. والساحات.. والميادين.. تضامناً ودعماً وتأكيداً وتثبيتاً للشعب الفلسطينى فى مواجهة «أجرم وأبشع إبادة» تعرض لها شعب على مدى التاريخ.. ما فعلته مصر والمصريون «يوم العيد» نصرة لفلسطين وشعبها وحماية لأمنها القومى «والأمن القومى العربى بشكل عام».. جعل ذاكرة التاريخ تذهب بالإحساس والشعور الوطنى إلى «هناك».. عند مركز وبؤرة الإنتماء.. تستدعى من هذه الأعماق تلك الملاحم «والجولات السابقة» التى خاضها أجداد «هؤلاء المحتشدين يوم العيد» دعما وتأييدا ودفاعا عن «نفس الهدف» الذى من أجله كان المشهد المهيب والرسالة العبقرية.. فلسطين «قضيتنا» وأقصاها «هويتنا».
يقول التاريخ.. إنه فى عام «1946».. من على أرض مصر.. انطلقت أول قرارات عربية «جماعية».. للدفاع عن فلسطين ضد الخطر الصهيوني.. كانت هذه القرارات قد صدرت عن «أول قمة عربية» تم عقدها «بعد عام من تأسيس الجامعة العربية».. هذه القمة والتى استضافتها «مدينة أنشاص» شاركت فيها سبع دول عربية هى المملكة العربية السعودية.. الأردن.. سوريا.. العراق.. اليمن.. لبنان.. ومصر.. كانت مقاومة ومكافحة الصهيونية وخطرها الممتد فى فلسطين هى الموضوع الأهم والأبرز الذى ناقشه القادة العرب.. بالإضافة إلى الجهود المبذولة من أجل التحرر من الإستعمارالأجنبى الذى كان يحتل العديد من الدول العربية فى ذلك الوقت.. أكدت «قمة أنشاص»على أن قضية فلسطين هى قلب القضايا القومية العربية باعتبارها قطر لا ينفصل عن باقى أقطار الوطن العربي.. وشددت القمة على ضرورة الوقوف أمام الصهيونية باعتبارها خطر لا يداهم فلسطين وحسب وإنما جميع البلاد العربية والإسلامية.. ودعت قمة أنشاص إلى وقف «الهجرة اليهودية» وقفا تاما ومنع تسرب الأراضى العربية إلى أيدى الصهاينة والعمل على تحقيق استقلال فلسطين.. مع اعتبار أى سياسة عدوانية موجهة ضد فلسطين تأخذ بها حكومتا أمريكا وبريطانيا هى سياسة عدوانية تجاه كافة دول الجامعة العربية.. وأعلنت القمة ضرورة الدفاع عن فلسطين فى حالة الاعتداء عليها ومساعدة عرب فلسطين بالمال وبكل الوسائل الممكنة.. هذا الموقف العربى «الجماعي» المدافع عن فلسطين فى بدايات «الصراع العربى الصهيوني».. هذا الموقف انطلق من»هنا».. من فوق الأرض التى احتشد فوقها ملايين المصريين.. يوم العيد.
ويروى التاريخ أيضا : إنه فى عام «1948».. عندما بدأ «الصراع العربى الإسرائيلي».. يسلك طريق الحرب.. خرج من فوق «أرض مصر» من يحمل لواء الدفاع عن أرض الأمة وعرضها.. ففى «حرب1948» كانت مصر فى طليعة القوات العربية التى راحت تدافع عن فلسطين ضد العصابات الإجرامية الصهيونية.. لقد حققت القوات المصرية فى بداية الحرب تقدما سريعا فوق أرض المعركة ووجهت ضربات عدة ضد القوات الصهيونية.. وكادت القوات المصرية بمساندة من القوات العربية المشاركة فى الحرب.. كادت هذه القوات أن تحرز نصرا ساحقا على القوات الصهيونية.. لكن التآمر والتواطؤ سرعان ما أخذ يتحرك على كافة المستويات حتى وجد «الإستعمار» ضالته فى إصدار قرارات من مجلس الأمن للوصول إلى «هدنة» كلما دعت الحاجة.. الهدف من الهدنة وقف الهجوم المصرى العربى الكاسح ضد الصهاينة.. هذ ا من جانب.. ومن جانب آخر إتاحة الفرصة للعصابات الإجرامية الصهيونية من أجل استجماع قوتها وشن هجومها المضاد.. بهذا التواطؤ والتآمر والدعم «الإستعمارى الغربي» قامت العصابات الصهيونية بإيقاف التقدم المصرى العربى على أرض فلسطين ليستيقظ الجميع على «الكارثة الكبري».. إسرائيل تعلن عن نفسها بكسب الحرب.. والفلسطينيون ومعهم العرب يبدأون كابوس «النكبة»!!
فى الحروب التى دارت بين مصر وإسرائيل بعد «النكبة».. لم تكن فلسطين بعيدة عنها.. بل كانت فى قلبها وعقلها ووجدانها.. حرب»1956» كانت كذلك.. وما حدث فى «1967» كان بسبب ذلك.. وفى العاشر من رمضان «السادس من أكتوبر» كان الحال والحالة كذلك.. ومثلما كانت فلسطين فى حروب مصر «فى قلب المعركة».. كانت فلسطين كذلك أيضا فى «مواجهات السلام».. لم تنس مصر فلسطين أبدا ولن تنساها بإذن الله.. «رسالة العيد» التى بعثت بها الحشود المليونية المصرية دعما وتأييدا ودفاعا عن فلسطين.. فلسطين القضية والشعب.. رسالة العيد هى تأكيد جديد على ثوابت راسخة قديمة.. مصر هى الضمير.. هى حاملة اللواء.. هى حجر الزاوية.. أكثر الناس معرفة بها هم «أعداؤها».. لأنهم يدركون جيدا وزنها وثقلها وإمكاناتها «المنظورة والمخفية».. لقد قرأوا التاريخ جيدا وعرفوا ماذا فعلت.. وماذا يمكن أن تفعل؟!.. هم يحاولون إشغالها وتعطيلها لكى «ينفردوا» بالأرض والعرض والقضية والهوية.. لكنهم لن يستطيعوا.. ولن يمروا.. بإذن الله.
فى دراسة قام بها الراحل الدكتور جمال حمدان حملت عنوان «نحن وأبعادنا الأربعة».. تناول فيها علاقة مصر بأبعادها.. البعد الآسيوي.. البعد النيلي.. البعد الإفريقي.. والبعد المتوسطي.. يقول جمال حمدان: إن مصر لها بعدان أساسيان هما البعد الآسيوى والبعد الإفريقى وكل من البعدين ساهم فى تكوين شخصيتها وتحديد لونها بنسبة معينة.. فالبعد الإفريقي أمد مصر «بالحياة».. بالماء والسكان.. والبعد الآسيوى أمدها «بالحضارة».. بالثقافة والدين منذ العرب.. .ويتحدث جمال حمدان فى هذه الدراسة عن قوة البعد العربى لمصر فيقول: إن الإطار العربى بالنسبة لمصر ليس مجرد بعد توجيهى أو إشعاعى وإنما هو خامة الجسم وكيان جوهر فى ذاته.. الإطار العربى هو الجسم حيث الأبعاد هى الأطراف.. هو الوجه ومصر الوجهة.. هو الهوية وهى هوائيات الإرسال والإستقبال.. يلخص جمال حمدان ذلك كله قائلا : إن العروبة وجود لكن الأبعاد توجهه.. الإنتماء العربى هو «جيرو سكوب مصر» الذى يحفظ عليها توازنها واستقرارها بين ضغوط وشدود «الأبعاد الأربعة».. فلقد كان لكل بعد ثقله ووزنه الذى يجذب مصر فى اتجاهه ويكون أو يلون شخصيتها بدرجات متفاوتة من عصر إلى آخر.. وفى المحصلة العامة تتحدد أبعاد أربعة فى توجيه مصر.. البعدان الآسيوى والإفريقى على مستوى القارات.. والبعدان النيلى والمتوسطى على المستوى الإقليمي.. .يرصد جمال حمدان فى دراسته ذلك الإرتباط الخاص ببن مصر وفلسطين فيقول : بكل سهولة ويقين يمكن أن نقرر أنه إن تكن مصر أكثر آسيا «إفريقية وعروبة».. فإن فلسطين هى أكثر آسيا والعروبة «إفريقية ومصرية».. وكما أن فلسطين بداية البعد الآسيوى فى كيان مصر.. فإن مصر هى بداية البعد الإفريقى فى كيان فلسطين.. ويشير إلى التقارب التاريخى بين المصريين والفلسطينيين قائلا: لاخلاف على الأثر والدم والوجود المصرى المادى فى الكيان الفلسطينى وتكوين فلسطين.. فأسماء الأشخاص والعائلات تعد «كشافا جغرافيا أمينا» عن الأصل المصرى عموما ويشير إلى شرق الدلتا خصوصا.. حيث تتواتر إلى جانب اسم المصرى أسماء مثل العريشى والشرقاوى والبلبيسى والأنشاصى والزعبلاوي.. وغير ذلك من أسماء.. إنه الإرتباط الوثيق.. العميق.. الذى تثبته الجغرافيا ويؤكده التاريخ.. مصر وفلسطين يجمعهما الإرتباط والترابط.. و»الرباط».
من خرج فى طلب العلم كان فى سبيل الله حتى يرجع.. صدق حبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد..اللهم بارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد.. وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فلسطين.. أرض الأقصى.. أرض المحشر.. أرض المسرى.. مسرى حبيبنا وسيدنا محمد رسول الرحمة والإنسانية.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.