أمضيت وقتا طويلا فى البحث عن الكتاب الذى سأقوم إن شاء الله سبحانه وتعالى بسرد (رسائله الجديدة) اليوم.. كنت أبحث عن كتاب يتضمن رسائل تتناسب مع طبيعة وحجم الأحداث التى وقعت خلال الأيام القليلة الماضية ضمن الحرب الدائرة فى كل من فلسطين ولبنان.. ظللت أبحث حتى هدانى الله سبحانه وتعالى إلى واحد من أهم (الكنوز) التاريخية.. الكاشفة والدالة والمرشدة.. فى طريق الصراع العربي– الإسرائيلى الممتد.. هذا (الكنز التاريخي) أرى أنه لا غنى عن استدعائه ليكون حاضرا فى جميع محطات الصراع مع (دولة الاحتلال) خاصة المرحلة الحالية وما يجرى خلالها من قيام إسرائيل بحرب إبادة غير مسبوقة على الجبهة الفلسطينية وحالة من (الإجرام) الاستثنائى على الجبهة اللبنانية.
أتحدث عن موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) للمفكر الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري.. ذلك العمل العبقرى الذى يساعد على فهم حقيقة و(خلفية) ما يجرى ويدور (الآن) وما يتم التجهيز له من قبل الصهيونية العالمية .. هذه الموسوعة بمثابة (بوصلة الضرورة) التى بدونها تكون (أى صورة) لما تفعله إسرائيل فى المنطقة هى صورة خادعة غير دقيقة مهما بلغت هذه الصورة من (جودة).. إن ما تتضمنه هذه الموسوعة من حقائق ومعلومات ووثائق.. واستنتاجات بمنهج علمي.. ضرورة للفهم.. والوعي.. والمواجهة الشاملة لأى تهديد للأمن القومي.
أتوقف فى موسوعة المفكر الراحل عبدالوهاب المسيرى عند مشهدين أو قضيتين بالغتى الأهمية الأولى تتمثل فى علاقة (المنفعة المتبادلة) ببن إسرائيل والقوى الاستعمارية.. والمشهد الثانى أو القضية الثانية تتعلق بتأصيل (حروب الإبادة) وكيف أنها واحدة من منتجات (الحضارة الغربية الحديثة) !!.. ولكن قبل أن أبدأ فى سرد رسائل موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) أود أن أشير إلى أن ماحدث خلال الأيام القليلة الماضية فى الحرب التى تشنها إسرائيل ضد فلسطين ولبنان من اغتيال يحيى السنوار والهجوم على منزل رئيس الوزراء حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو بطائرة مسيرة.. هذان الحدثان يؤكدان من جديد (الضعف الكبير) لإسرائيل وأنها مهما حاولت ادعاء غير ذلك بشتى الوسائل إلا أن الوقائع والأحداث (الفارقة) تكشف دائما الحقيقة الراسخة وهى أن إسرائيل هى بالفعل بيت العنكبوت!!.
فيما يتعلق باغتيال يحيى السنوار.. لقد فضح السنوار إسرائيل وكشف هشاشتها و(عوراتها).. فعل ذلك «قبل الاغتيال وبعد الاغتيال» .. يعلم الجميع ماذا فعل السنوار فى حياته بإسرائيل وجيشها وأجهزة مخابراتها.. ورأى العالم أيضا كيف انتصرالسنوار «رغم الاغتيال» على جميع جيوش وأجهزة الكذب الإسرائيلية.. ولم تفلح كافة المحاولات و(الروايات) العاجزة.. الإسرائيلية أو الأمريكية أو الأوروبية.. لم تفلح هذه المحاولات جميعها فى منع السنوار من أن يصير أيقونة عالمية تتفوق على أيقونة (جيفارا).. إن الذى يفتش فى (أعماق الاحتلال) الآن ربما يكتشف أن إسرائيل تمنت لو أنها لم تقتل السنوار !! .. لقد أذل السنوار جيش إسرائيل فى حياته.. وعند اغتياله .. وبعد اغتياله.
أما وصول طائرة مسيرة إلى منزل نتنياهو وفشل كافة أنظمة الدفاع الجوى الإسرائيلى فى إسقاطها.. مقلاع داوود وحيتس والقبة الحديدية.. بالإضافة إلى نظام (ثاد) الأمريكي..إن وصول المسيرة إلى منزل نتنياهو وفشل قوات الجيش وأجهزة المخابرات والأمن فى منعها من بلوغ (الهدف).. هذا يعد ضربة بل لطمة أو صفعة قوية جديدة على وجه إسرائيل.. إسرائيل السياسية.. والعسكرية.. والأمنية.. فشل جديد يضاف إلى قائمة الفشل التى صارت من العلامات المميزة لدولة (الاحتلال).. نعم إسرائيل (كائن) لايستطيع العيش إلا فى كنف (قوة راعية له).. أما أن يعيش هذا الكائن ويخوض الحروب بمفرده دون وجود من يدعمه ويموله فهذا من (سابع المستحيلات).. إسرائيل هى بالفعل بيت العنكبوت مهما حاولت (تصوير وتصدير) وإدعاء صورة غير (تلك الصورة)!!
عبدالوهاب المسيرى يكشف فى موسوعته «أصل الحكاية» :
من هنا .. بدأت «الإبادة»
«إبادة الآخر» .. آلية أساسية استخدمتها الحضارة الغربية لتحقيق «رؤيتها»
عقيدة المستوطنين فى أمريكا .. أولى «الأيديولوجيات الإبادية»
الرجل الأبيض قضى على 7,7 مليون من السكان الأصليين فى أمريكا وأستراليا
الغرب تعامل مع اليهود باعتبارهم «فائضاً بشرياً» لا نفع لهم داخل أوروبا
قام بتصديرهم إلى الشرق ووظف الصهيونية فى فلسطين لخدمة مصالحه
النازية جزء من الحضارة الغربية .. وهتلر كان معجباً بالتجربة الأمريكية
فى موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية)..يشير عبدالوهاب المسيرى إلى مراحل صدور وعد بلفور الشهير بإقامة وطن لليهود فى فلسطين.. وكيف أن القوة الاستعمارية الكبرى (بريطانيا)فى ذلك الوقت تبنت الحركة الصهيونية والنظر إلى مطالبها بإقامة وطن على أرض فلسطين باعتبار أن ذلك (مشروع) يخدم الأهداف الاستعمارية للإمبراطورية التى (لاتغيب عنها الشمس).. وينتقل المسيرى بعد ذلك إلى قضية أخرى من أخطر القضايا والتى تكشف واحداً من أبشع العوامل الجامعة بين الصهيونية والحضارة الأوروبية الحديثة وهى (حروب الإبادة) العنصرية!!!
يقول المفكر عبدالوهاب المسيرى فى موسوعته : لقد خرجت جيوش الدول الغربية الإمبريالية تحمل أسلحة الدمار والفتك والإبادة.. وحول (الإنسان الغربي) نفسه إلى سوبر مان له حقوق مطلقة تتجاوز الخير والشر ومن أهمها حق الاستيلاء على العالم وتحويله إلى مجال حيوى لحركته ونشاطه وتحويل العالم بأسره إلى مادة خام طبيعية أو بشرية.. وكان نتيجة ذلك أن اعتبر (الإنسان الغربي) شعوب آسيا وأفريقيا مجرد مادة بشرية بتم توظيفها فى خدمته.. وتم اعتبار العالم مادة طبيعية توظف فى خدمة دول أوروبا وشعوبها البيضاء المتقدمة.. ويضيف المسيرى أن النظرة الإمبريالية الغربية تضمنت نقل (الفائض البشري) من أوروبا إلى (جيوب استيطانية) فى كل أنحاء العالم لتكون ركائز للجيوش الغربية والحضارة الغربية فيما يعد (أكبر حركة هجرة) فى التاريخ.. هذا بالإضافة إلى نقل (الأقليات) إلى مواطن جديدة تخدم الاستعمار بالإضافة إلى الاستعانة ببعض مواطنى الدول الأخرى والاستفادة منهم فى الحروب الاستعمارية.
ويواصل عبدالوهاب المسيري: إنه مع ظهور حركة الاستنارة فى الغرب تم تعريف الناس حسب نفعهم للمجتمع والدولة وقد تم تطبيق ذلك على جميع المواطنين وبخاصة (أعضاء الأقليات).. فتم تقسيم اليهود فى كثير من البلاد الأوروبية بحيث أصبح غير النافعين قابلين (للترحيل).. وفى هذا الإطار المعرفى الترانسفيرى تمت عملية الاستيطان الصهيونية والتى هى فى جوهرها تصدير لإحدى مشاكل أوروبا الاجتماعية (المسألة اليهودية) إلى الشرق.. ويستطرد المسيرى قائلا: إن النظرة الغربية أو الأوروبية إلى يهود أوروبا ترى أن هؤلاء مجرد فائض بشرى لا نفع له داخل أوروبا ويمكن توظيفه فى فلسطين لخدمة أوروبا.
وعن تاريخ حروب الإبادة والتطهير العرقي.. يقول المسيرى فى موسوعته: إن عقيدة المستوطنين البيض فى أمريكا الشمالية هى أولى الأيديولوجيات الإمبريالية (الابادية) التى كانت تغطيها ديباجات دينية كثيفة.. فكان هؤلاء المستوطنون يشيرون إلى هذا الوطن الجديد (أمريكا) باعتباره (صهيون الجديدة) أو أرضاً بلا شعب.. وكان المستوطنون يشيرون إلى أنفسهم باعتبارهم (عبرانيين) وأن السكان الأصليين فى الأرض الجديدة هم (الكنعانيون) أو (العماليق).. وكل هذه المصطلحات.. والكلام لايزال للمسيري.. هى مصطلحات (إبادية).. وكان كل هذا يعنى فى واقع الأمر إبادة السكان الأصليين حتى يمكن للمستوطنين البيض الاستقرار فى الأرض الجديدة (أمريكا).
ويتطرق المسيرى إلى العديد من (الإبادات) التى ارتكبها المستعمرون الأوروبيون ضد السكان الأصليين وذلك عندما ذهبوا إلى أمريكا بعد اكتشافها.. يقول: إن عمليات الإبادة ضد السكان الأصليين كانت تتم إما بالقتل المباشر أو عن طريق نقل الأمراض المختلفة كأن يتم ترك أغطية مصابة بالجدرى كى يأخذها الهنود فينتشر الوباء بينهم ويتم إبادتهم تماما.. ويضيف المسيرى أن: الحكومة الاستعمارية لبريطانيا فى ذلك الوقت كانت تعطى مكافأة مالية لكل من يحضر فروة رأس هندى من السكان الأصليين للأرض الجديدة المكتشفة.. ولقد استمرت هذه التقاليد الغربية الإبادية بعد استقلال أمريكا.. بل تصاعدت بعد عام 1830 حين أصدر الرئيس الأمريكى آنذاك قانون ترحيل الهنود والذى تم بمقتضاه تجميع خمسين ألفا من الهنود وترحيلهم (ترانسفير) أثناء فصل الشتاء سيرا على الأقدام إلى معسكر اعتقال تم تخصيصه لهم (مات أغلبهم فى الطريق)!!
وصلت (العملية الإبادية) ضد السكان الأصليين فى أمريكا إلى قمتها.. كما يروى المسيري.. فى معركة ونديدنى عام 1890 حيث يضيف: إن الثمرة النهائية لعمليات الإبادة هذه كانت أنه لم يبق سوى نصف مليون من مجموع السكان الأصليين الذى كان يقدر بنحو ستة ملايين وخمسمائة ألف مواطن فى عام 1500 لدى وصول (الإنسان الأبيض) من أوروبا إلى أمريكا.. بما يعنى إبادة ستة ملايين من السكان الأصليين!!.. وقد تكرر نفس النمط.. كما يقول المسيري.. فى استراليا عندما احتلها (الأوروبى الأبيض) فى عام 1788 حيث كان عدد السكان الأصليين فيها مليونى مواطن لم يبق منهم سوى ثلاثمائة ألف!!
ويشير عبدالوهاب المسيري- رحمه الله رحمة واسعة- إلى جانب بالغ الأهمية فيما يتعلق بالثقافة الإمبريالية الغربية الحديثة وما ارتكبته من إبادات وبين (النازية).. فيقول: كان النازيون يدركون تمام الإدراك أن نظامهم النازى وممارساته الإبادية هما ثمرة طبيعية للتشكيل الحضارى الامبريالى الغربى الحديث.. وأن كاتبى سيرة حياة هتلر بينوا أن أولى تجارب الإنسان الغربى الاستعمارية الاستيطانية (تجربته فى أمريكا الشمالية) أوحت لهتلر بكثير من أفكاره التى وضعها موضع التنفيذ فيما بعد.. ويروى المسيرى أن المؤرخ جون نولاند ذكر أن (هتلر فى أحاديثه الخاصة مع أعضاء الحلقة المقربة إليه كثيرا ما كان يعبر عن إعجابه بالمستوطنين الأمريكيين وطريقة معالجتهم لقضية الهنود الحمر.. فقد قاموا بمحاولة ترويضهم عن طريق الأسر.. أما هؤلاء الذين رفضوا الرضوخ فكان يتم إبادتهم من خلال التجويع أو القتال غير المتكافئ)!!..
يؤكد المسيرى وفقا لرؤى مؤرخين ومتخصصين غربيين أن النازية هى جزء من الحضارة الغربية.
(إبادة الآخر).. كما يقول عبدالوهاب المسيرى فى موسوعته هى (آلية أساسية) استخدمها التشكيل الحضارى الإمبريالى الغربى فى تحقيق رؤيته ومثالياته الداروينية.. ويسلط الضوء هنا على مافعلته الولايات المتحدة الأمريكية ضد اليابان فى الحرب العالمية الثانية باستخدام السلاح النووى فى هيروشيما وناجازاكي.. يقول المسيرى هنا: إن النزعة الإبادية تظهر فى الحرب العالمية الثانية.. فقبل اكتشاف القنبلة النووية كان الجنرال الأمريكى كورتيس لى ماى بقوم بتحطيم مدن اليابان واحدة تلو الأخرى بشكل لم يسبق له مثيل فى التاريخ.. فخلال عشرة أيام فى مارس 1945 قامت الطائرات الأمريكية بطلعات جوية بلغت إحدى عشر ألف وستمائة طلعة تم خلالها إغراق مساحة اثنين وثلاثين ميلا مربعا من المدن اليابانية بالقنابل مما أدى إلى محو هذه المساحات من الوجود ومقتل مائة وخمسين ألف شخص.. أما الغارات الجوية على طوكيو فى الخامس والعشرين من مايو 1945 فتسببت فى عاصفة نارية ضخمة حتى أن قائدى الطائرات المقاتلة كانوا يشمون رائحة لحم البشر المحترق من ارتفاعات شاهقة!!
ويقول عبدالوهاب المسيري: إن الجنرال الأمريكى الذى كان مسئولا عن (مشروع مانهاتن) لإنتاج القنبلة النووية الأمريكية كان يخشى أن لا يجد أى هدف سليم فى اليابان يلقى عليه قنابله ويدمره.. وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة كانت تعرف جيدا أن اليابانيين بدأوا يفكرون بجدية فى إنهاء الحرب إلا أن الجنرال المشرف على (مانهاتن) رأى ضرورة استخدام السلاح النووى مهما كان الأمر وذلك لكى تردع الولايات المتحدة خصومها وتحقق أهدافها الحالية والمستقبلية دون النظر إلى مئات الآلاف من الضحايا اليابانيين الذين سيسقطون فور إلقاء أخطر سلاح عرفته البشرية..النزعة الإبادية متأصلة ومتجذرة!!
إن ما يحدث (الآن) من إبادة ضد الشعب الفلسطينى على يد الجيش الإسرائيلى وبدعم وتواطؤ أمريكى وأوروبى إنما هو (انعكاس) عميق للحضارة الغربية فى صورتها الخفية و(تكرار) لما فعله (الرجل الأبيض) فى مستعمراته القديمة والجديدة ضد السكان الأصليين.. لكن رغم كل هذا تظل الحقيقة التاريخية وهى أن إسرائيل مهما ادعت من قوة وحماية دولية فهى بيت العنكبوت.. لن يمروا.. ولن يعبروا.. ولن يستطيعوا بإذن الله.
من خرج فى طلب العلم كان فى سبيل الله حتى يرجع.. صدق حبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد..اللهم بارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد.. وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فلسطين.. أرض الأقصى.. أرض المحشر.. أرض المسرى.. مسرى حبيبنا وسيدنا محمد رسول الرحمة والإنسانية.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.