إنها دعوة محمودة، أراد بها فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر فى مؤتمر المنامة الذى جاء بعنوان «أمة واحدة ومصير مشترك» وحدة الأمة الإسلامية بكل مذاهبها، لأن الجميع تجمعهم قبلة واحدة، فطالما الأمر كذلك فهناك مشتركات بين المذاهب يتم البناء عليها فى التوافق، وطالب الإمام الأكبر أن يعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه من أجل وقف نزيف التطاول من هنا أو هناك على الثوابت وطى صفحات الماضى بما فيها من آلام وأوجاع، وفتح صفحات جديدة للحاضر تمتلئ بالحقائق والآمال.
أما عن الإمكانات، فقال الإمام إن هذا أمر ليس من المستحيل إن صدقت النوايا وقيض له الإمام رجالاً يعرفون أبعاد الاختلاف ويعرفون مفاتيح الاتفاق.. ونحن فى الوقت الراهن فى أمس الحاجة إلى الوحدة والتوافق ونبذ التراشق والاحتواء وترك الإقصاء.
تسبب الصراع المذهبى بين الدول الإسلامية فى ضياع هيبة الأمة واستنزاف مقدراتها، نظراً لانشغالها بأمور فرعية تحمل الحقد والكراهية والسب والقذف واللعن.. فى حين أن الإسلام دعا أتباعه إلى التعايش السلمى مع الآخر- المختلف فى الدين- فإذا كانت هذه هى من القيم الخلقية للإسلام، فلماذا لا يحترم بعضنا بعضاً وأن نبتعد عن صراعاتنا التى تستنفد قوانا وتجعل الآخر يستغل هذه الفُرقة لصالحه وتحقيق مآربه؟!
الإمام الأكبر مشغول بهموم الأمة شرقاً وغرباً دون تفرقة، خاصة أحداث غزة الأخيرة التى أدمت القاصى والدانى من أتباع الأمة الإسلامية، التى قتل العدو فيها وأصاب عشرات الآلاف من النساء والأطفال، ناهيك عن تدمير البنى التحتية من منازل ومصانع ومزارع ومدارس ومستشفيات ومنع وصول الغذاء والدواء إلى أهالى غزة، والعالم يتفرج على مأساة أهالى غزة دون أن تتحرك مشاعرهم المتبلدة.
لم يجد شيخ الأزهر من سبيل لهذه الأمة، إلا لم الشمل من خلال مساحات الاتفاق الواسعة بين المسلمين، من منطلق الحوار بين المذاهب المتعددة والمتنوعة وتعزيز دور العلماء والمرجعيات الدينية فى رأب الصدع بين أتباع المذاهب المختلفة وتعزيز التفاهم والاحترام المتبادل والعمل على تجديد الفكر الاسلامى، فى سبيل مواجهة الفُرقة والنزاع والتحديات المشتركة وإبراز التجارب الناجحة فى هذا المجال.
حرص الإمام الأكبر على تغليب الاخوة الاسلامية، من أجل مستقبل الأمة وعبور الظروف الحرجة وترك المصالح السياسية الراهنة بعض الوقت من دول الجوار وأصحاب المصالح الخاصة المختلفين فكرياً، بحيث يلتف الجميع تحت مشروع واحد يقوى شوكة الأمة، حتى تتمكن من مواجهة القوى الغاشمة المتربصة بالأمة، التى تعمل ليل نهار من أجل إضعاف هذه الأمة.
أين أتباع الأمة من قول الله تعالى: «واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا»؟!، هل اتبعوا طريق الشيطان بإشباع رغبات وغرور أشخاص على حساب مصلحة الأمة ومخالفة الشارع الحكيم؟!.. ما حدث فى غزة مؤخراً نتاج لشرذمة الأمة وتفككها، وما طالت يد اسرائيل فى دول المنطقة، إلا بيقينها أن الأمة مشغولة عن عقيدتها وانقسامها على بعضها.. من هنا دعا الإمام الأكبر الأمة إلى تمسكها بدين الله تعالى عملاً بالحديث النبوى: «المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً».. وكفى.. أما آن الأوان؟!