منذ سنوات كتبت في هذا المكان مقالًا تساءلت فيه: ماذا أرادت دراما رمضان.. وماذا قدمت وكيف صنعت بعقول المصريين.. وهل بعد هذا التهافت والسقوط الدرامي يمكن أن ننسب تلك الأعمال الهابطة لشهر رمضان الفضيل.. هل ما يحدث مقصود لتخريب العقل والوجدان والوعي المصري.
واليوم نودع شهر الصيام فماذا استفدنا بأكثر من 35 مسلسلاً وبرنامجا وإعلانات لم تفعل شيئًا إلا تنمية قيم الاستهلاك النهم الذي يتفجر في رمضان بصورة هائلة تفقد الشهر الكريم روحه وجوهره وغايته..!!
تكلفة صناعة الدراما في مصر باهظة؛ إذ إنها تصل إلي 30 مليار جنيه تقريبًا لكن تأثيرها السلبي علي المجتمع أكثر كلفة، وهو ما جعل الرئيس عبد الفتاح السيسي يعرب عن استيائه من بعض محتوياتها، محذرًا مما وصفه بأنه «غث وهزل»، داعيًا إلي تقديم أعمال «إيجابية وجدية»، وسرعان ما استجابت الشركة المتحدة والأعلي للإعلام ووزارة الثقافة فاجتمعت لتضع خططًا وبرامج للإنتاج الدرامي.
الرئيس السيسي أشار خلال حفل الإفطار السنوي للقوات المسلحة، إلي أهمية الإعلام الإيجابي المفيد، مشددًا علي ضرورة تنشئة الأجيال علي القيم والأخلاق المصرية الأصيلة.. كما تبادل الحديث مع الفنان سامح حسين، مشيدًا ببرنامجه خلال شهر رمضان.
هذا الاهتمام الرئاسي بالدراما ومحتواها والإعلام ورسالته أثار تحركات داخل الأجهزة المعنية وصناع الدراما، حيث بدأت كافة الجهات في رصد المحتوي المقدم علي مختلف القنوات، كما أعلنت شركة المتحدة للخدمات الإعلامية عن تشكيل لجنة متخصصة لمتابعة ورصد الأعمال المنتجة، بهدف تحقيق رؤية واضحة للإنتاج قائمة علي تحليل دقيق للواقع.
النقاد الفنيون دخلوا علي الخط مؤكدين ضعف مستوي بعض الأعمال الدرامية التي عُرضت في مصر خلال الموسم الرمضاني، مع إشادة ببعض الأعمال والتجارب الجديدة مثل «أولاد الشمس» وغيرها من أعمال درامية.
خلاصة القول إن هناك توجهًا نحو تعزيز المحتوي الدرامي ليعكس القيم الإيجابية ويسهم في بناء المجتمع، مع التركيز علي تقديم أعمال ذات جودة عالية تلبي تطلعات الجمهور المصري، والأهم تبني أخلاقه وتعزز قيمه الأصيلة.
والسؤال: لماذا فعل بنا صناع الدراما وبرامج المقالب كل هذه المهازل.. وهل كانت الأجهزة المعنية بمراقبة ما يقدم في القنوات والشاشات تنتظر تدخل الرئيس حتي تنشط لتؤدي دورًا أصيلاً ضمن اختصاصها ..وسؤالي لصناع الدراما: هل مصر بكل هذا السوء الذي صورته مسلسلاتكم.. لماذا أصررتم علي طمس القدوة الحسنة وغفلتم عن تقديم نماذج مضيئة في واقعنا أو في تاريخنا كان يمكنها أن تبني وعي الأجيال الجديدة وتعزز انتماءهم وهويتهم والأهم أن تجعلهم مؤهلين لحمل أمانة هذا البلد في ظل ظروف وتحديات غاية في الصعوبة.. هل الفن انعكاس للمجتمع سلباً أو إيجاباً .. ولماذا اختفي الفن الملتزم بقضايا المجتمع الهادف لإصلاح ما اعوج منه؟!
من يقف وراء إغراق المجتمع في السطحية والتفاهة والعري والابتذال.. هل قدمت المسلسلات والبرامج قيماً معرفية أو ثقافية أو دينية.. هل أصلحت من الخطاب الديني شيئاً .. هل عرضت الصورة الحقيقية لما يحاك ضد مصر والعالم العربي من فتن ومؤامرات تتبناها دول وأجهزة مخابرات وتنفذها عناصر إرهابية مأجورة تعمل لحساب الخارج لتدمير البلاد والعباد .. هل ابتعثت الدراما نماذج تاريخية لتنعش ذاكرة الأمة بالانتصارات والأمجاد وتنفض التراب عن الذاكرة القومية التي بليت بالفساد والتطرف والإرهاب على نمط الاختيار والممر والسرب.
ماذا يضير صناع الدراما لو أجابت أعمالهم هذا العام عن سؤال محوري: ماذا حدث للمصريين بعد أحداث يناير.. ماذا أراد الغرب من تدبير هذه المؤامرة..وهل الدول التي ضاعت في معترك الفوضي قامت لها قائمة..هل كان منطقيًا أو واقعيًا ألا يذكر ما يحدث في غزة وكيف جاهدت مصر لمنع تصفية القضية.. هل أرادوا تغييب العقول وإلهاء الناس لينتج في النهاية وعي مشوش وغير حقيقي سبق أن حذرنا الرئيس السيسي من مغبته مراراً وتكرارًا..ولماذا الإصرار علي إهانة مشاهير الفنانين ولاعبي الكرة في برنامج مقالب «سمج» بالغ في امتهان ضيوفه لدرجة محزنة تسيء لمصر..؟!!
لم يعد مقبولاً تغييب الأمة في قضايا جدلية لا تقدم ولا تؤخر .. ولم يعد مستساغاً أن يصبح المطربون ولاعبو الكرة وحتي الراقصات هم المثل العليا لشبابنا بينما يجري إغفال دور علمائنا وسير حياتهم التي تقدم قدوة .
حسنًا فعلت المتحدة بتشكيل لجنة تطوير المحتوى الدرامى وحسنا فعلت الهيئة الوطنية للإعلام حين أعلنت العودة للمشاركة في إنتاج الدراما الجادة الهادفة عبر مسلسل «طلعت حرب»، الذي يتناول سيرة «رائد الاقتصاد المصري» محمد طلعت حرب؛ حتي لا تتركها للقطاع الخاص أو منطق العرض والطلب .. فالدراما إحدي أدوات تشكيل الوعي والعقل المصري ولا يصح تركها في أيدي العابثين به أو المخططين لإفساده وجعله لقمة سائغة سهل القياد والتشكيل وتقبل ما يلقي إليه من قيم خاطئة دون مراجعة أو فحص أو تمحيص .. كما لا يصح أن يكون الربح هو الهدف الأسمي للدراما وأن يتحكم الإعلام في ذوق المشاهد وثقافته نريد دراما جادة كالتي كتبها السيناريست العظيم الراحل أسامة أنور عكاشة التي صاغت وجدان أجيال عديدة من شبابنا.. نريد دراما ترقي بالثقافة والسلوك العام، تحرض علي التفكير والعمل والإنتاج والتجويد والإبداع والمشاركة السياسية.. دراما تعظم مكارم الأخلاق والعلم وتحارب الجهل والشعوذة والتواكل والسلبية والاستهلاك النهم
تدخل الدولة فريضة لتصحيح مسار الإعلام عامة والدراما خاصة لخلق حالة توازن مطلوبة لتعبئة الناس لمعركة يجري تغييبهم عنها بفعل فاعل حتي تصبح الحكومة في وادٍ والشعب في وادٍ آخر مع انتهاز الفرصة لدق إسفين بينهما بسبب ما قد يحدث من غلاء للأسعار أو انتشار للبطالة وغيرهما من السلبيات.
نريد برامج ودراما تعيد كتابة التاريخ برؤية عصرية موضوعية ومحايدة تكرس لقيم النضال والكفاح والولاء والانشغال بالهم العام والقضايا الحقيقية للوطن..نريد دراما جادة تبث روح الأمل .. تقدم الحلول الناجعة لهموم المواطن، تعيد الاحترام لقيم كادت تندثر مثل احترام الكبير، والرحمة بالصغير، دراما لا تتجرأ علي المحارم أو تروج للفسق.
ما أحوجنا لاستلهام تجارب الأمل التي كانت سببًا في تقدم دول كانت أقل منا يومًا ثم سبقتنا.. نريد أن تبسط الدولة يدها لإنقاذ الفن والتعليم والثقافة.. وعلي صناع الدراما أن يراجعوا أنفسهم ويسألوها: هل ساعدنا الدولة في معاركها الكبري مع الجهل والتطرف والفقر والتخلف؟!