لا استطيع ان أنسى أنى بدأت حياتى الصحفية فى مجال النقد الفني.. لذلك فإن عين الناقد لا تفارقني.. وكل ما أشاهده أراه بعين الناقد.. متأثراً ببدايتى كناقد فنى مبتدئ.. ومجتهد أيضاً.. فى مجالين أولهما السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون..
الثانى الفنون التشكيلية.. وكانت ممارساتى الصحفية الأولى فى حضرة عمالقة النقد الفنى فى مصر فى هذين المجالين.. أستاذنا الراحل محمد دواره.. وكذلك أستاذنا الراحل أحمد الحضرى فى الفن السينمائي.. ثم أستاذنا الراحل صدقى الجباخنجي.. فى الفنون التشكيلية.
من خلال هؤلاء تعلمت.. وتدربت.. وقرأت.. وانطلقت.. وحاولت زيادة مهاراتى وقدراتي.. مع قراءتى فى كل هذه المجالات.. وصقلها من خلال مشاركتى فى دورات تدريبية لمعهد الإذاعة والتليفزيون.. وحضورى مؤتمرات ومهرجانات سينمائية دولية.
وقد شغلت خلال هذه البداية بترجمة كتابين أولهما فى الكتابة للتليفزيون.. والثانى فى الإخراج للتليفزيون.. وقد نشرا على حلقات على صفحات جريدة المساء التى جمعت بين العمل فيها.. والعمل فى الجمهورية.. فى العصر الثقافى الذهبى للمساء فى ستينات القرن الماضي.. الذى احتضنت فيه المساء الكثيرين ممن أصبحوا بعد ذلك رموزاً فى الفكر والأدب.. وقد كانت لى مقالة نقدية أسبوعية فى المساء.. وأخرى يومية ونقدية أيضاً فى الجمهورية لعدة سنوات.
وقد مارست الكتابة للإذاعة والتليفزيون فى مجالات عديدة.. وفى مجال الدراما اعتز بثلاثين حلقة درامية يومية فى السبعينيات من القرن الماضى عن علماء ومفكرى العرب تحت عنوان: «صوت من الماضي».. كما أنى ادخلت مسامع درامية إلى فوازير رمضان التى كتبتها للإذاعة وقدمتها سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة.
لهـذا كلـه شدنـى مـا أثيـر عـن الدرامـا التليفـزيونية.. مـنذ تناول الرئيس عبدالفتاح السيسى هذا الجانب.. ودعا إلى مراعاة قيم المجتمع واخلاقياته وقضاياه الحياتية فى ما يذاع من دراما.
ولا ننكر أنه كان هناك اتجاه غالب فى استخدام ألفاظ سوقية تصل حد تبادل شتائم خرجت على ألسنة بعض الممثلين فى عدة مسلسلات فى السنوات الأخيرة.. وربما تكون هذه عدوى سينما العشوائيات التى احتلت حياتنا فترة من الوقت.. وسينما المقاولات التى امتدت إلى بعض المسلسلات.
هذه الألفاظ والشتائم ما كانت تمر أبداً على رقيب التليفزيون الذى كانت تعرض عليه كل الأعمال الدرامية.. ليس بغرض الوصاية على المؤلفين.. أو لفرض اتجاه معين.. أو منع اتجاه آخر.. كانت الرقابة التليفزيونية يقصد بها أن التليفزيون هو جهاز الأسرة تتحلق أمامه بكبارها وصغارها.. وأنه لا يجوز أن تطرق اسماعهم كلمات من التى أصبح بعض المؤلفين لايخجلون من وضعها على ألسنة شخصيات العمل.. كما لا يجوز أن يقدم لهم الا كل ما يرتقى بهم اجتماعياً وثقافياً.. ويمتعهم ترفيهياً.
لانريد أن نذكر القارئ بأعمال درامية عديدة فى الماضى والحاضر.. عاشت وعاش معها المشاهد أوقاتا مليئة بالاستمتاع والتفاعل الأيجابى دون أن تنحدر إلى ماعدنا نراه أمرا معتادا فى بعض الأعمال.
اعتقادى الشخصى أن الانحدار الذى رأيناه فى بعض الأعمال يعود إلى ضعف النص وفقر الفكر.. وإلى ما أصبح معتادا فى كتابة الأعمال الدرامية من خلال ما يسمونه ورش الكتابة التى لم يعد العمل فيها منسوباً إلى أب واحد.. بل تعدد آباء العمل.. وتاهت فيه مسئولية الكلمة فى كثير من الاحيان.. ولا يمكن أن نغفل دور المقولة السيئة التى افسدت السينما.. «وحكاية الجمهور عايز كده».. وعدم ظهور أجيال جديدة.. فى مستوى أجيال العمالقة.. من كبار الكتاب الذين رحلوا.. فكان الانصراف إلى الورش.. ولحكاية المخرج المؤلف.. الذى يحشد لمسلسله كل ما يتصوره جاذباً ومثيراً.. وربما أيضاً صادماً.
واحد من العوامل الرئيسية فيما رأيناه هو ابتعاد تليفزيون الدولة عن الإنتاج التليفزيوني.. وتوقفه عن إنتاج روائع انتجها فى سابق تاريخه.. وما زالت تعيش فى ذاكرة المشاهد.. ولم يكن فيها مايخدش شعور أحد.. أو يروج لسلوك ما..
وقد شاهدت منذ فترة حوارا للدكتورة درية شرف الدين مع الكاتب المبدع محمد السيد عيد.. عما رآه إحجاماً عن الإنتاج التاريخى الضخم.. وكان يقول إنه كتب مسلسلاً عن طلعت حرب وعصره.. ولكنه لا يجد من ينتجه..
والحمد لله أنى قرأت فى ما نشر فى أعقاب توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي.. أن الكاتب الصحفى أحمد المسلمانى رئيس الهيئة الوطنية للإعلام.. قد قرر عودة التليفزيون للإنتاج الدرامي.. وأن باكورة هذا الإنتاج ستكون مسلسلاً عن طلعت حرب.. الذى كتبه محمد السيد عيد.
هكذا يعود التليفزيون إلى استئناف دوره.. ويبدأ بمسلسل تاريخي.. وهو بلا شك أصعب أنواع الأعمال الدرامية تجسيدا على الشاشة.. لأسباب عديدة.. فى مقدمتها الإنفاق المرتفع الذى يتطلبه.. والدراسات العديدة التى يحتاجها القائمون على العمل فيه لإظهار ملامح العصر الذى دارت فيه الأحداث.. وما يتطلبه هذا من ديكورات وملابس خاصة.. ومفردات مختلفة.. كل منها يحتاج إلى دراسة مفصلة.. ومعظمها جوانب لا تحتاجها الدراما العادية أو المعاصرة.