على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية تناولنا مفهوم الدبلوماسية المائية بهدف وضع عدد من النقاط التى نرى انها ضرورية للتعامل مع ملف مياه النيل بعد ان تأكد ان الدبلوماسية والحوار هما الأساس فى حل أى خلافات فى هذا الملف وهو ما تتبعه القيادة السياسية المصرية فى هذا الملف وعلى مدار تاريخها الحديث كما اشرنا من قبل، ونستكمل ونشير إلى مؤتمر النيل 2000 الذى أطلقته القاهرة عام 1995، وكان الهدف الأساسى منه خلق قنوات تواصل مباشرة بين وزراء المياه والزراعة والكهرباء،.
هنا نجد ان نتائج هذا التعاون ظهرت بشكل مباشر حينما أعلنت أوغندا استغاثة عالمية لانقاذها من أخطار الفيضانات، وغرق عدد من المقاطعات، و تعرض البحيرات الاستوائية لانسداد مخارج المياه بها، وبصفة خاصة اوغندا نتيجة انتشار الحشائش المائية– ورد النيل – وعلى الفور أعلنت مصر عن منحة لها تقدر بنحو 20مليون دولار زادت مع مرور الوقت، وحتى الان مازالت المنح تقدم لدعم الشعب الأوغندى لأعمال اخرى تتعلق بتعظيم الاستفادة من مياه النيل لصالح التنمية المستدامة.
وفى اعتقادى الشخصى ان ما قدمته مصر من أشكال دعم مختلفة لدول الحوض سواء بإنشاء آبار للمياه الجوفية لشعوب هذه الدول وأيضا الموافقة على مشروعات تطلبها هذه الدول فى مجالات المياه المختلفة وفقا لاتفاقيات 1929 تؤكد ان مصر تمارس الدبلوماسية المائية قبل ظهورها كمصطلح عالمى فى نهاية التسعينيات يعكس فهم مصر لطبيعة العلاقات بينها وبين هذه الدول.
وإذا انتقلنا الى الجمهورية الحديثة التى يؤسّسها الرئيس السيسى نجد ان الدولة مازالت ملتزمة بدورها تجاه دول الحوض باستخدام الدبلوماسية المائية بشكل واضح وصريح، وهى وجهة نظر شخصية باعتبارى من القلائل الذين شهدوا، وتابعوا كافه أشكال التعاون وقام بزيارات ميدانية لمعظم دول الحوض لعدة مرات للتعرف عن قرب على شعوب النيل، كما شاركت فى تأسيس أول شبكة إعلامية إقليمية لإعلاميى دول الحوض عام 2005 بالعاصمة الكينية نيروبى وشغلت منصب السكرتير العام لها لعدة سنوات، حيث اعتقد ان إعلان المباديء الخاصة بالسد الإثيوبى والموقع بين مصر والسودان وإثيوبيا بالعاصمة الخرطوم عام2015 وبنوده نقطة تحول جذرى فى ملف السد ولصالح الدول الثلاث ويحقق المنفعة الثلاثية لشعوب هذه الدول، وتأكيداً لحقوق مصر المشروعة فى مياه النيل وحصتها التاريخية، كما يؤكد على التزام مصر الدائم والمستمر بمفهوم الدبلوماسية المائية بتعريفها الدولي، كما يضع النقاط فوق الحروف فى هذا الملف لمستقبل التنمية لشعوب هذه الدول.
مما سبق يتضح لنا اننا بحاجة إلى منبر خاص للحوار بين دول الحوض متفق عليه، وعلى ما يتوصل اليه هذا المنبر بحيث تستطيع من خلاله الأطراف المتفاوضة مناقشة القضايا غير المتعلقة بالمياه، مثل المظالم السياسية والتاريخية والتعاون الإقليمى خارج نطاق المياه والتجارة الإقليمية والقدرة على التكيف مع تغير المناخ والمنافع الاقتصادية المشتركة الناتجة عن التعاون فى مجال المياه. ولدينا تجربة ثرية فى هذا الشأن وهى تجربة التعاون بين دول حوض نهر السنغال وتلك قصة تستحق ان تروى فى وقت لاحق.
وتبقى كلمة اخيرة إدراكا من القيادة السياسية لاهمية الدبلوماسية المائية كانت تكليفاته من إدارة منتدى شباب العالم عام 2019 بالتنسيق مع وزارتى الرى والخارجية لتنفيذ محاكاة عن دبلوماسية الدول المشتركة فى حوض نهر النيل، وقد حدث بالفعل.
خارج النص :
من خلال الرصد والمتابعة على مدار سنوات للعلاقات بين مصر ودول حوض النيل سوف نكتشف ان تصعيد الخلافات بينها وبين هذه الدول يرجع الى وجود مشاكل داخلية حادة تمر بها هذه الدول وتحتاج الى صنع ازمة خارجية لاكتساب الشعبية التى فقدتها، المختلف معى عليه ان يقرأ عن الأوضاع الداخلية بها وقت حدوث التصعيد الخارجي.