جيش مصر.. مصر الكنانة.. كنانة الله.. كلمة لها وقعها.. وثقلها.. ومعناها.. معارك كبرى وانتصارات حاسمة عبر آلاف السنين.. منذ قادش ومجدو «فى العالم القديم» مروراً بحطين وعين جالوت «فى العصور الوسطي» وحتى «ملحمة العبور» أيقونة النصر فى «التاريخ الحديث«.. ملحمة العبور فى العاشر من رمضان 1393 «السادس من أكتوبر 1973» كانت امتدادا لهذا الرصيد المتراكم من الانتصارات.. «رصيد» أهلها لأن تكون علامة مصرية تاريخية ملهمة لكافة المدارس العسكرية العالمية.. «جيش مصر» كلمة لها وقعها وثقلها ومعناها «منذ آلاف السنين وحتى الآن» .. المعانى تترسخ والرايات تتواصل.
أسباب عديدة تجعل جيش مصر متميزاً.. ومتفوقاً ومختلفاً.. عن كافة الجيوش.. عناصر القوة فيه ليست فقط تلك العناصر التقليدية المعتمدة والمعمول بها عند قياس قوة الجيوش فى العالم.. إن هناك عناصر ومصادر أخرى لقوة جيش مصر.. عناصر ومصادر لا يمكن إدراكها وفهم طبيعتها إلا فى إطار الوعى بالسر الكامن فى «هذه الأرض«.. سر لم تستطع سجلات التاريخ وموسوعات الجغرافيا أن تستكشف جميع إشاراته وكامل قدراته.
فى كتاب «المؤسسة العسكرية المصرية فى عصر الامبراطورية» للدكتور أحمد قدرى والذى نسرد منه رسائلنا اليوم إن شاء الله سبحانه وتعالي.. عندما أتأمل ما انتهت إليه الأبحاث والوثائق التاريخية والأثرية من أن نواة الفنون الحربية والعسكرية والإستراتيجية نشأت فى مصر.. أجدنى على الفور مسرعاً نحو «السر القديم» .. يقول الكتاب: هنا ظهرت لأول مرة فى تاريخ العالم فكرة الاستخدام الإستراتيجى للقوات المسلحة.. هنا كانت البداية لاستخدام المركبات فى المعارك الحربية.. من هنا عرف العالم المناورات العسكرية.. وعلى هذه الأرض تكونت «أول هيئة أركان حرب» فى التاريخ.. مصر علمت العالم «فنون الحرب» مثلما علمته «أصول السلام».
نعم.. إنها مصر كنانة الله.. كنانة الله منذ بداية الخلق وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. جندها خير أجناد الأرض حقيقة وبشرى وردت عن سيد الخلق حبيبنا محمد رسول الله «صلى الله عليه وسلم» وآله وصحبه وسلم.. لذلك فى كل مرة يحاول العدو «بغرور قوته وغطرسته» اختبارها.. يجد «المفاجأة» فى انتظاره.. مفاجأة لا يستطيع توقعها أو إدراكها أو فهمها إلا من يجيد «أبجدية» السر القديم.
قبل أن نسرد ما جاء فى كتاب «المؤسسة العسكرية المصرية فى عصر الامبراطورية«.. علينا أن نتوقف قليلاً عند «المسرح الزمانى» الذى حدده المؤلف الدكتور أحمد قدرى لتناول القضايا أو الأحداث التى وقعت فى دائرته أو حدوده والتى هى الموضوع الرئيسى للأبحاث والوثائق والكتابات الأثرية التى تضمنها الكتاب.. يتحدث الكتاب عن المؤسسة العسكرية المصرية فى فترة موغلة فى القدم.. فترة تقع ما بين عامى «1570» إلى «1087» قبل الميلاد.. يجب هنا التوقف والتأمل «والتساؤل«.. ففى ذلك الزمن السحيق كان لمصر جيش منظم مدرب مسلح له خططه وفكره العسكرى الخاص به.. كان لمصر هذا الجيش بينما كانت الامبراطوريات والقوى الكبرى التى نراها فى عالم اليوم بعضها لم يظهر بعد فى «ساحة الحركة«.. والبعض الآخر كان ما زال حبيس الكهوف المظلمة.. فتش عن سر «الكنانة«.. كنانة الله.. القوة خارج نطاق المقاييس التقليدية.
يقول الدكتور أحمد قدرى فى كتابه: على أرض مصر ظهرت لأول مرة فى تاريخ العالم القديم بأسره فكرة الاستخدام الإستراتيجى للقوات المسلحة.. على أساس تقسيم الجيوش المحاربة إلى ألوية وأجنحة مستقلة فى حد ذاتها ولكنها فى النهاية تعمل تحت قيادة مركزية موحدة.. وقد تم هذا التطور الحربى الهائل على أيدى القادة المصرين الأوائل من ملوك الأسرة الثامنة عشرة.. وهذا التطور كان منطقيا نتيجة للقدرة الإدارية الفذة التى كان يتصف بها نظام الحكم فى مصر والتى اكتسبها من تراكم خبرات تاريخ طويل من تنظيم وإدارة دفة الحياة على أرض وادى النيل.. لقد ظهرت فى مصر أول مؤسسة عسكرية فى تاريخ العالم تتمتع بأعظم قدر من القوة الإستراتيجية.
يشير الدكتور أحمد قدرى أيضاً إلى أن: مصر بدأت فى استخدام الخيل كأداة من أدوات الحرب.. كما بدأت فى استخدام المركبات الحربية التى تجرها الخيول منذ عهد أحمس.. ويعد استخدام المصريين العربات التى تجرها الخيول وتطويعها فى المعارك العسكرية.. يعد ذلك ثورة حقيقية فى تاريخ الفكر والأداء العسكرى وتدل بشكل قاطع على أن المصريين هم أصحاب هذا التطوير الفذ فى استخدام «المركبات» فى المعارك الحربية.. كذلك بدأ المصريون فى تلك الحقبة فى تطبيق الأفكار الحربية الإستراتيجية حيث لعبت المناورات الإستراتيجية التى كانت تجريها الفرق والجيوش المصرية دوراً حاسماً فى كسب المعارك فى ميادين الحرب والقتال.. كانت تلك المناورات يشترك فيها المشاة متعاونين مع راكبى الخيول من الفرسان وراكبى المركبات الحربية من الرماة للتدريب على جميع الحركات التكتيكية بين كل هذه الوحدات بشكل يجعلها قادرة على تحقيق النصر فى أى معركة تدخلها.
فى كتاب «المؤسسة العسكرية المصرية فى عصر الامبراطورية«.. هناك إشارة خاصة إلى معركة «مجدو» الشهيرة.. تلك المعركة التى جرت على أرض فلسطين وقاد جيش مصر فيها القائد المصرى الفذ تحتمس الثالث.. كما أن هناك إشارة خاصة أيضا للفنون الحربية المصرية عند قيام تحتمس الثالث بعبور نهر الفرات.. يقول الكتاب: إنه وبكل المعايير تعتبر الحملات الحربية التى قام بها تحتمس الثالث والنصر الذى حققه فى موقعة مجدو وعبور نهر الفرات ليفتح بلاد «ميتاني«.. تعتبر هذه الحملات قمة للإستراتيجية الحربية تحدث لأول مرة فى تاريخ العالم القديم.. ويضيف الكتاب: إن قيام تحتمس الثالث بوضع خطة التعاون والتنسيق بين تحركات سفن الأسطول المصرى والجيوش البرية المصرية المتجهة بقيادته نحو الشمال ونحو الشرق يعتبر من الأدلة القاطعة على العبقرية الحربية للقائد تحتمس الثالث وعلى قدرته الفائقة على تنظيم وإدارة الجيوش المصرية بطريقة تحدث لأول مرة فى تاريخ مصر العتيد.. ان الخطط الحربية التى نفذها تحتمس الثالث«هكذا يستطرد الكتاب«.. هذه الخطط بمعايير ومباديء الحرب التى ما زالت مطبقة حتى اليوم تعتبر أمثلة رائعة لتطبيق مباديء وأسس الإستراتيجية «على أعلى مستوي«.
يواصل الكتاب رصد السبق والتقدم المصرى فى الفنون العسكرية والحربية فى تلك الفترة فيقول: إن الاستخدام المصرى «الجديد» للعجلات الحربية أعطى لجيش «الأسرة الثامنة عشر» قدرة هائلة على الهجوم «والسيطرة» فى جميع المعرك التى خاضتها.. لقد كان سلاح المركبات الحربية قادراً على العمل وحده فى خوض المعركة بالإضافة إلى قدرته على التعاون الوثيق مع سلاح المشاة ليخوض معه المعارك جنباً إلى جنب.. ولأول مرة فى تاريخ العالم يستخدم سلاح المركبات الحربية بكثافة وبأعداد كبيرة بحيث يستطيع سحق مقاومة العدو بقوة ضاربة هائلة.. وبذلك تمكن الجيش المصرى من فتح بلاد واسعة الأرجاء.. «كانت وظيفة سلاح المركبات الحربية آنذاك مماثلة لوظيفة سلاح الدبابات الآن«.
يجدد الكتاب التذكير ثانية بالبعد الزمنى للتفوق المصرى العالمى فى فنون الحرب والعسكرية عندما يقول: إن التفوق الهائل للجيش المصرى والأسلحة المصرية قد تحقق منذ النصف الثانى من القرن السادس عشر قبل الميلاد وأن ذلك استمر بلا انقطاع لمدة تصل لنحو مائتى سنة متصلة.. ويقول الكتاب إن موسوعة «كمبردج فى التاريخ القديم» تتحدث عن الجيش المصرى فى تلك الحقبة القديمة قائلة: إن هذا الجيش الوطني فى تلك الفترة المتقدمة كان هائل الحجم يتألف معظمه من جنود محترفين سواء من الجنود العاملين فى الخدمة العسكرية أو الجنود الاحتياط ويقوم على قيادته ضباط محترفون مدربون «على أعلى مستوى» ويؤدون وظائفهم وواجباتهم الحربية فى إدارة الفرق والأسلحة المنوطة بهم قيادتها بشكل منظم ومنسق ودقيق كما لو كانوا حلقات مترابطة فى سلسلة القيادة العامة.. ومما ذكرته موسوعة كمبردج يقول الكتاب إن المصريين هم أول من كون «هيئة أركان الحرب» التى تؤدى وظيفة العقل الإدارى والتنظيمى والحربى فى الجيوش الحديثة.
يقول كتاب «المؤسسة العسكرية المصرية فى عصر الامبراطورية» أيضاً: إنه فى عصر الأسرة الثامنة عشرة.. بدأ تزويد الجيش المصرى بأسلحة جديدة.. كما بدأ استخدام هذه الأسلحة بطريقة تعتبر ثورة غير مسبوقة فى التكتيك الحربى حتى أصبحت جميع وحدات الجيش تتمتع بقوة ضاربة هائلة.. الأمر الذى نتج عنه فى النهاية تغييرات عميقة فى مفاهيم التكتيك والإستراتيجية.. كما أدى أيضاً إلى ضرورة إقامة المنشآت الصناعية المتخصصة فى تصنيع أنواع الأسلحة المختلفة التى تتطلبها ألوية الجيش وفرقه بالإضافة إلى الرصيد الهائل المتمثل فى احتياطى القوى البشرية داخل البلاد المصرية.. «حدث ذلك قبل أن تعرفه أوروبا وأمريكا بآلاف السنين«.
معركة «مجدو» توقف عندها التاريخ طويلاً.. فالخطة الحربية التى استخدمها الجيش المصرى فى تلك المعركة «فى القرن الخامس عشر قبل الميلاد«.. هذه الخطة «وفقاً لما قاله المؤرخون» كانت حاضرة فى الحرب العالمية الأولى «1914-1918» عندما نفذها القائد البريطانى الشهير الفيلد مارشال «إدموند اللنبى» فى دخول فلسطين وسوريا.. معركة «مجدو» والتى انتصر فيها الجيش المصرى بقيادة تحتمس الثالث على عدد من التجمعات الكنعانية بقيادة ملك قادش.. هذه المعركة كانت تأكيداً جديداً على الريادة المصرية فى فنون الحرب والتخطيط الإستراتيجى.. فوفقاً لما روته الكتابات التاريخية فإن معركة مجدو اعتمد فيها قائد الجيش المصرى تحتمس الثالث على عدة عوامل كان من أبرزها عنصر المفاجأة حيث كان هناك أكثر من طريق يؤدى إلى منطقة مجدو فى فلسطين والتى دارت فيها المعركة.. وكان من بين هذه الطرق طريق وعر لكنه أقصر طريق يؤدى إلى مكان المعركة.. لقد سار تحتمس الثالث بالجيش المصرى من هذا الطريق الوعر وفاجأ «الأعداء» وكانت هذه المفاجأة أحد الأسباب البارزة فى تحقيق النصر.. معركة مجدو كانت أيضاً «إشارة مصرية مبكرة» لارتباط فلسطين وتأثيرها على الأمن القومى المصرى.
أعود وأقول إن الذى يتأمل هذا الرصيد العسكرى المصرى المتراكم عبر آلاف السنين.. ثم قيام مصر بتحقيق انتصارات تاريخية مبهرة فى «اللحظات الحرجة«.. انتصارات تبهر العدو قبل الصديق «من مجدو إلى ملحمة العبور«.. أقول إن الذى يتأمل ذلك كله جيداً يستطيع أن يستشعر بحق معنى «كنانة الله«.. إنها مفتاح السر القديم.. «سر» تتغير عنده جميع المعادلات والتوازنات والمعايير التقليدية للقوة.. ففى لحظة مصرية معينة يظهر المعنى الخاص والأعمق للقوة.. قوة كامنة تستدعيها ضرورات ومتطلبات «اللحظة» لتفاجيء العدو وتغير جميع حساباته ومعاييره التقليدية .. انه جيش مصر.. الجيش الوطنى الذى هزم وكسر غرور اسرائيل ودمر جيشها وفرض ارادة مصر على أرضها رغم المخطط الارهابى .. انه جيش مصر الذى أجبر الجميع على احترام خطوط مصر الحمراء..انه جيش مصر الذى كان ومازال وسيظل الرقم الصعب «فى المعادلة» بالمنطقة.
.. دائماً لا تغيب عنى هذه الأبيات للشاعر أحمد محرم والتى كتبها ضد قوات الاحتلال الإنجليزى وقادتهم إبان احتلالهم لمصر.. تقول أبيات أحمد محرم:
عميد الغاصبين نزلت أرضا.. يبيد الغاصبون ولاتبيد
يذود الواحد القهار عنها.. إذا قهرت جنودك من يذود
.. ونواصل إن شاء الله
من خرج فى طلب العلم كان فى سبيل الله حتى يرجع.. صدق حبيبنا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.. اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد..اللهم بارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم فى العالمين انك حميد مجيد.. وصلى الله على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
فلسطين.. أرض الأقصى.. أرض المحشر.. أرض المسرى.. مسرى حبيبنا وسيدنا محمد رسول الرحمة والإنسانية.. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين.