لاشك أن العالم كله فى انتظار شهر نوفمبر القادم لمعرفة من هو ساكن البيت الأبيض فالصورة باهتة إلى الآن وفى هذا العرض سنقوم بتحليل أهم الملفات التى يتم تناولها بالصورة الفنية الأوسع وسط كل هذه الضوضاء العالمية ومعضلة المسيرات غير المأهولة والسؤال الحائر: ما هى أهم المتغيرات الجوهرية الاقتصادية التى ينظر إليها بين الجمهورى والديمقراطى وهى وكيف يكون احدهما نعمة والثانى نقمة أو العكس وأيهما يرجح الكفة خصوصاً بعد تنحى الرئيس بايدن للنائبة الضاحكة كامالا هاريس فالعالم فى حالة حبس الانفاس كمحطة انتظار لواحدة من أهم محطات حياتهم خصوصاً الشعب الأمريكى والمتمثلة فى نتيجة الانتخابات الأمريكية فى نوفمبر القادم وسط هذه المنافسة الحادة والتى يحددها مسارات مختلفة مرهونة بتحديات وسيناريوهات العديد من الأزمات والملفات سواء الداخلية أو الدولية انطلاقاً من قاعدة مهمة من المضاربات والتفاهمات المتباينة والتى يتبناها كل طرف لتعكس المسار السياسى والاقتصادى للولايات المتحدة الامريكية، وبالطبع للعالم أجمع ومن بين أهم العوامل أو الملفات التى ينتظرها العالم هو الملف الاقتصادى والذى يأتى بوضوح كامل فى صدارة الملفات التى تهم المواطن الأمريكى الذى يصوت للاقتصاد قبل السياسة باعتبار أن الاقتصاد يأتى فى صدارة الاهتمامات والمؤشرات الاقتصادية المختلفة من محددات إدارة دفة الانتخابات وتوجهات تصويت الناخب الأمريكي.
وإذا رجعنا إلى السياق التاريخى لهذا الملف فإن الأوضاع الاقتصادية تلعب دورا بارزا فى تحديد مسار الانتخابات الأمريكية من قبل ولدينا مؤشرات مهمة ينظر إليها الناخب الأمريكى بعين الاعتبار كمؤشر التضخم وأسعار الفائدة والبطالة ومعدلات النمو والهجرة غير الشرعية وإعانات البطالة فالناخب الأمريكى يربط عن كثب بين الأداء الاقتصادى وربطها بسياسات الحكومة والحزب الحاكم وقدرته على توفير الرخاء والاستقرار الاقتصادى بالإضافة إلى ملفات مهمة كالديون العامة وسياسات الحكومة الاقتصادية فى هذا الملف تلعب دورا أساسيا فى تحديد استمالة الناخبين حيث ينظرون إلى السياسات الاقتصادية التى سوف يتبعها كل مرشح ويقيمون أدائه بناء على ذلك بعيداً عن العواطف وتزداد سخونة الموقف إذا كان أحد المرشحين قد شغل هذا المنصب من قبل كحالة ترامب مما يفتح مجالاً للمقارنات الأكثر منطقية وبشكل علمى بين الطرفين وهى مقارنات تحكمها معطيات لا تخطئ ولا تجامل ألا وهى الأرقام والبيانات الاقتصادية فقط بدون تنظير من أحد ومعها تتداخل العوامل المحيطة وطبيعة التحديات الموجودة ويأتى على رأسها دراسة جيدة لكل التوترات الجيوسياسية الراهنة والتقاط طرف الخيط هل معها الجمهورى أم الديمقراطى وبالرغم من أن السردية الفنية تقول إن أداء جو بايدن اقتصادياً كان بحالة جيدة خلال فترة رئاسته وبرزت البيانات الاقتصادية بشكل إيجابى لكن على الرغم من كل ذلك فالناخب لديه حالة من عدم اليقين فى الاعتراف بإيجابيات الحزب الديمقراطى ورئيسه وفقاً لاستطلاعات الرأى وعوداً على ما سبق لاشك أن فترة جو بايدن لم تكن فترة راحة ولم تكن خالية من التحديات وإنما شهدت ايضاً ضغوطاً اقتصادية كنتيجة لتبعات الجائحة ومن بعدها الحرب الهجينة بين روسيا وأوكرانيا وشهدت أمريكا معدلات تضخم غير مسبوقة وحاولت الإدارة الأمريكية التصدى للتداعيات الاقتصادية المترتبة عن الجائحة ومن الآليات المتداولة أن دور الرئيس السابق ترامب الذى اعتمد سياسات اقتصادية تختلف فى الحلول العلاجية للمشاكل الجذرية الاقتصادية فبعض الناخبين من مؤيدى ترامب ترى زيادة الثقة فى سياسات ترامب الاقتصادية ومن ثم وقع الناخب الأمريكى فى فخ الاختبار الاقتصادى الأصعب فهم يريدون أمريكا التى لا تخطئ اقتصادياً وسياسياً وسيقومون بتقييم شامل لكل السياسات الاقتصادية المطروحة، فإن المستقبل الأمريكى يجب ألا يكون مجهولاً وهى تنصب نفسها كرئيس مجلس إدارة للعالم وهنا نقوم بتحليل بعض الفروق الاقتصادية بين الديمقراطى والجمهورى فى مسائل اقتصادية مهمة يأتى على رأسها التضخم هذا المحور الأساسى لحياة الناخب الأمريكى والحاضر فى أذهان الامريكان جميعاً فلو ظلت معدلات التضخم تطل بشكل عنيد كما هى أى تبقى مرتفعة فإن ذلك يصب من هنا حتى موعد الانتخابات فى صالح ترامب وإذا استمر فى الانخفاض سيكون فى صالح المرشح الديمقراطى فقد قطع البنك الفيدرالى الأمريكى وسيد وول ستريت جيروم بأول مجهودا وأشواطا كبيرة فى محاولة لكبح جماح التضخم منذ عام 2022 للوصول الى المستهدف ألا وهو ٢% برفع أسعار الفائدة فى مستويات مستهدفة عند نطاق 5.25، 5.5٪ وتترقب الأسواق خفض أسعار الفائدة فى سبتمبر القادم، فماذا يحدث إذا لم يفعلها الفيدرالى الأمريكى وظلت أسعار الفائدة كما هى حتى فى اجتماع سبتمبر القادم بعد ما جر العالم كله إلى حالة الاكراه الاقتصادى واضطر الجميع إلى رفع أسعار الفائدة كما أن هناك بيانات الإحصاء التى تقول إن هناك ارتفاعا لتكاليف المعيشة والوقود فى عهد الديمقراطى أتعبت المواطن الأمريكى وبخلاف محددات التضخم ينظر الناخب الأمريكى إلى الأسواق الامريكية كمحدد لقيادة عملية التصويت وهو ما يؤكد أهمية بيانات سوق العمل وسوق الأوراق المالية وهما بحالة جيدة حالياً إلى حد ما الأمر المحير أن الاقتصاديين الأمريكيين والمحللين يقولون إن الاقتصاد الأمريكى بوجه عام ليس بحالة جيدة حتى وإن ظهرت البيانات الاقتصادية جيدة فالسياسة المالية الأمريكية لا تريح الناخب الأمريكى وأن فترة الديمقراطيين تمثل سياسات مالية مختلطة ليس لها معالم وعلى الجانب الآخر لا يبدو الأمر وردياً بالنسبة لترامب أو الجمهورى فهناك ملفات أكثر صرامة بالنسبة لملف الهجرة مثلاً وهذا يسبب بحسابات الربح والخسارة تأثر بعض الصناعات الأمريكية التى تعتمد على العمالة المهاجرة أو التجارة سلباً وهناك حالة أخرى إذا سيطر الحزب الديمقراطى على مجلس النواب أو الشيوخ فإن ترامب سيكون محدود النشاط.
لقد تباهى بايدن يوماً ما وقال لقد ورثت اقتصاداً كان على حافة الهاوية والآن أصبحنا موضع حسد العالم وروج لفكرة الاستثمار الرأسمالى فى جميع أنحاء البلاد ببعض التشريعات التى أصدرها ومع ذلك الناخب الأمريكى لا يسمح إلا ببيانات الوظائف ولا يرى إلا تكاليف المعيشة الباهظة التى تؤثر فى ميوله التسويقية كما أن ملف الضرائب من الملفات المهمة ففى حالة فوز ترامب سوف يلجأ إلى خفض الضرائب الإضافية مما يؤدى إلى زيادة العجز فى الموازنة وعدم المساواة فى الدخل مع الأخذ فى الاعتبار زيادة التوترات التجارية خصوصاً مع الصين وقطع العلاقات التجارية ويرى المحللون فى جامعة كالفورنيا الجنوبية ومنهم جوناثان أد يسون أن العوامل الاقتصادية الداعمة فى التصويت وتقود دفة الانتخابات هى الأسعار وخاصة سلاسل التوريد اليومية والغاز وجالون البنزين وعليهم أسعار الفائدة ويقول البعض إن الديمقراطى نجح فى فترته فى ملف التوظيف وتسجيل أسواق الأسهم مستويات قياسية وعلى الجانب الآخر هناك نظرة متشائمة أن عصر الديمقراطى هو عصر العمال بينما عصر الجمهورى هو عصر الأغنياء وهذا بالإضافة إلى عدم إيمان الجمهورى بقضية المناخ بالأصل بينما دأب الديمقراطى على ضخ الأموال واللوائح التنظيمية فى مبادرات مناهضة للنفط والغاز على الرغم من أن الولايات المتحدة أصبحت أكبر منتج للنفط والغاز فى العالم فى عهد الديمقراطى ويتوقع الناخب الأمريكى أن أزمة الديون قادمة بشدة سواء مع الديمقراطى أو الجمهوري، فالدين الفيدرالى الأمريكى وصل إلى 34 تريليونا ومن واقع القراءة الفنية لملف الطاقة لأنه من أهم الملفات بذراعيه النفط والغاز سواء عالمياً أو على المستوى الأمريكى بين الجمهورى والديمقراطى فإن رسم سياسات الطاقة فى أمريكا له خريطة تنعكس انتخابياً فى تحديات محفوفة بالمخاطر والتحديات فأسعار الوقود مثلاً وتأثيراتها على الناخب والموازنة الشخصية للامريكان وعلى معدلات التضخم ومعها نجد أن الألوان السياسية تتلاشى أمامها فمن يلبى مصلحة سعر الوقود للمواطن الأمريكى الجمهورى أم الديمقراطي.
فملف الطاقة تحديداً ملف سحرى له عواقب وألغاز ومعه ترتبط الخيارات الانتخابية بما يحدث فى مضخات الوقود وارتباط العوامل المصاحبة بقضايا المناخ وتأثيراتها على الناخبين المنقسمين بين الجمهورى والديمقراطى وسط الفجوة التى تتسع طاقوياً بينهما فإدارة الديمقراطى واجهت الفترة السابقة فى ملف الطاقة توجهات تموج بالصراعات الدولية ويقف الجميع أمام الرهان على من يتبنى السياسات الخضراء بينما سيناريو ارتفاع أسعار الوقود يضع كل مرشح تحت الضغط ويقلص فرصة أى مرشح فى الفوز وتظهر بشدة السياسة النقدية التى تؤثر بشكل مباشر على أسعار الطاقة خصوصاً أن ترامب يدعو إلى عودة الهيمنة الطاقوية الأمريكية إلى المواجهة وعودته تنذر بمجموعة من المتغيرات الحاكمة سواء داخلياً أو خارجياً لهذا الملف الحيوى فملف الطاقة هو أحد محددات بل أهم الملفات التى يضعها الناخب الأمريكى أمام عينيه لأنها تؤثر بشكل مباشر وغير مباشر على معيشته والوضع الاقتصادى للبلاد مما يجعل من الصعب اختيار أحدهما الجمهورى أم الديمقراطى أيا كان اسمه وهنا نقول أين تتجه البوصلة الداخلية وأى رئيس يفوز سواء جمهورى أو ديمقراطى سيكون مطالباً أمام مجلس النواب والشيوخ بموقف دفاعى فى ملف الطاقة والمناخ فالجمهورى مثلاً سيفتح الباب على مصراعيه لمنتجى النفط والغاز دون النظر إلى ما يقوله العالم عن السياسات المناخية ولن يدعم ملف السيارات الكهربائية مثلاً وقد ترتفع أسعار النفط مع قدوم الجمهورى طبقاً لممارسات الرئيس فى هذا الملف وخصوصاً بضغطة على صادرات النفط الإيرانى وإذا فرض تعريفة ضريبية شاملة فقد يرفع الضغوط الاقتصادية ويحدث ضغطاً هبوطياً على النفط والسلع الأخرى فارتفاع أسعار الوقود يمارس ضغط على المستهلك الأمريكى خصوصاً أن قدرة الرئيس الأمريكى على التحكم بأسعار النفط مقيدة بقرارات الأوبك بلس الإنتاجية وتقليص الإنتاج للمحافظة على توافقية العرض والطلب وبالرغم من محاولة الولايات المتحدة أن يكون لديها أكبر احتياطى إستراتيجى من النفط إلا أن تأثيرها على أسعار النفط كان محدوداً وقصير المفعول فإن زادت أسعار الطاقة قبل الانتخابات فهى عوامل محورية فى صالح الجمهورى وبالرغم من ارتفاع الإنتاج الأمريكى من النفط فى عهد بايدن فالإنتاج الأمريكى وصل إلى 13.3 مليون برميل يومياً خلال العام الماضى مع نمو الإنتاج بمقدار 400 ألف برميل يومياً خلال العام الجارى و800 ألف برميل خلال العام القادم وبالرغم من العائدات التى جنتها أمريكا من عائدات النفط إلا أن العائدات ذهبت إلى المنتجين وليس المواطن أن الجمهورى ينحاز إلى الوقود الاحفورى والتراجع عن السياسات التى تسرع التحول إلى الطاقة المتجددة ولا يؤمن باتفاقيات المناخ بالأصل وأن كان الجمهورى إذا فاز سيكون مقيداً بديناميكيات السوق الأوسع، فالرئيس بايدن مثلاً استثمر حوالى 300 مليار دولار أمريكى فى مبادرات الطاقة النظيفة والمناخ ووجود أهداف طموحة لخفض انبعاثات الغازات الدفيئة وتحفيز الاقتصاد الأخضر، ومع ذلك أطلق مشروع زيت الصفصاف للغاز والنفط فى آلاسكا مما أثار حالة من الاستغراب وبالرغم أن ترامب كان قد أطلق العنان للحفر والاستكشاف فى عهده ولكن زاد الإنتاج فى عهد بايدن وسيضطر الجمهورى لو فاز الإبحار بطريقة بطيئة فى ملف الطاقة حتى لا يصدم بالسياسات العامة للطاقة، وهناك من يقولون إن فوز الجمهورى يؤدى إلى زيادة ٤ مليارات طن إضافية من الانبعاثات الأمريكية بحلول عام 2030 مقارنة بخطط الديمقراطى وقد تسبب أضرار تبلغ قيمتها 900 مليار دولار بناء على أحدث التقنيات الأمريكية وقد تفشل الولايات المتحدة فى خفض الانبعاثات وتتبنى سياسات خضراء وهناك ملفات كثيرة وهى علاقة الجمهورى والديمقراطى بالملف الأوروبى والصين وروسيا وأمن الطاقة وتراخيص الغاز الطبيعى المسال واتفاقيات التجارة الحرة وحرب روسيا وأوكرانيا والضغوط السياسية وأجندة التجارة العالمية عبر الاطلنطى والسياسات الحمائية فمن يدفع الثمن فيما سوف يختاره المواطن الأمريكي، العالم سيدفع والمواطن سيدفع وسياسات الطاقة والحروب التجارية وهناك تأثير السياسة والاقتصاد على العالم العربى وإلى حديث آخر.